ولو أن واحدًا منهم استطاع أن يجيب بدقة، على هذه التساؤلات الثلاثة في تقصياته إذن لكان اهتدى إلى أصالة الحرف العربي في خصائصه الفطرية: (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) ، وذلك لتعليل طبيعة التواصل اللغوي في المراحل (الغابية والزراعية والرعوية) التي مرَّ بها أبناء الجزيرة العربية عبر التاريخ، بما يتوافق مع مستوياتهم (المعيشية والاجتماعية والثقافية) ، وبما يلبي حاجاتهم مرحلة حياة متطورة بعد مرحلة.
ولكن قدامى علماء العربية كانوا يفتقرون جميعًا إلى علوم (التاريخ والجغرافيا والآثار والجيولوجيا والاجتماع) التي لا بد من الاستعانة بها للرجوع بالإنسان العربي وحروفه إلى ما قبل التاريخ في الجزيرة العربية. فيهبطون معهما من هنالك مرحلة حياة بعد مرحلة إلى أن استوفيا مقوماتهما (الشخصية) بطولة وشعرًا في الجاهلية، وقيمًا مثلى وفصاحة وبلاغة في القرآن الكريم.
أما علماء العربية ودكاترتها المحدثون، وان حظي عصرهم الراهن بهذه العلوم جميعًا وما إليها من علوم (الطبيعة والفلك والنفس والبيولوجيا والأصوات والتشريح ووظائف الأعضاء) وفي رعاية الحاسبات الإلكترونية، مما يتصل بعلم اللغة، فإنهم لم يستثمروا إلا القليل من قليل في تقصياتهم عن نشأة العربية وأصالة حروفها، فجانبهم التوفيق. وما أبرئ دراستي من التقصير. فالبحث عن (أصالة الحرف العربي وحداثته) ، إنما هي مهمة فريق متكامل من شتى الاختصاصات العلمية والثقافية طوال أعوام إن لم أقل عشرات الأعوام، وليست مهمة باحث بمفرده مهما يطل العمر به.