وبالمقابل لو أن علماء العربية المحدثين ودكاترتها تعاملوا مع الحرف العربي على أنه هو أصل الكلمة لا فرع منها، فاعتمدوا خصائصه في تحديد معانيها، إذن لكانوا اهتدوا إلى فئات الحروف ذات الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) . ولكانوا صعدوا قسرًا عنهم إلى ما قبل التاريخ للكشف عن المراحل الحياتية التي تم فيها إبداع كل فئة منها بما يتناسب مع مستوياتها (المعيشية والاجتماعية والثقافية...) كما أسلفت.
وعلى الرغم من هذا التطابق المدهش بين خصائص الحروف العربية (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) وبين المراحل: (الغابية والزراعية والرعوية) التي مرَّ بها الإنسان العربي في جزيرته: تخلفًا لتخلف، ورقيًا لرقي، فإننا نرى لدى (العلايلي) رأيًا مخالفًا إلى حد ما. فهو يقول:".. ومن ثم كان من الخطأ أن نفسر اللغة بتاريخ العرب، وإنما نكون أكثر قصدًا إذا فسرنا تاريخ العرب باللغة وستكشف الأيام عن هذه غير يسير".
(المقدمة اللغوية(22) ص 164).
وقد صدقت نبوءته. فها نحن أولاء نرى كيف تم تفسير (تاريخ) العرب باللغة، بكثير من الموضوعية كما قرر (العلايلي) ، ولكن قد تم تفسير اللغة بتاريخ العرب أيضًا خلافًا لما زعم.
فما حصيلة علماء العربية ودكاترتها من تلك المحاولات؟
بعد تجوالي في ربوع عشرات المراجع اللغوية التي عالجت مسألة نشأة العربية، برصانة وجدية حينًا قليلًا، فدرستها ومحصتها برصانة وجدية أيضًا، وبسطحية ومزاجية أحيانًا كثيرة، فتصفحتها على عجل.
بعد تجوالي ذلك، يحزنني أن أقول بأن أيًا منهم لم يتوصل إلى شيء علمي موثوق بصددها.
فلئن عادوا جميعًا بالعربية إلى ما قبل التاريخ، إلا أن أيًا منهم لم يعرج على المراحل الحياتية التي عاشتها في الجزيرة العربية، فغابت عنهم بذلك خصائص حروفها الثلاث، وعزَّ عليهم بصورة عامة تحديد معاني الكلمات بدقة حتى التي اختاروها هم أنفسهم في الأمثلة التي ضربوها.