وقد يضمر العامل لا لثقله لكن لغير ذلك: من التعويض منه، أو لأن الصنعة أدت إلى رفضه، وذلك نحو (أن) مع الفعل إذا كان جوابًا للأمر والنهي، وتلك الأماكن السبعة، نحو اذهب فيذهب معك"ولا تفتروا على الله كذبًا فيسحتَكِم بعذاب"وذلك أنهم عوضوا من (أن) الناصبة حرف العطف، وكذلك قولهم: لا يسعني شيء ويعجز عنك، وقوله:
نحاول ملكًا أو نموتَ فنعذرا
صارت أو والواو فيه عوضًا من (أن) ، وكذلك الواو التي تحذف معها رُب في أكثر الأمر، نحو قول الراجز:
وقاتمِ الأعماق خاوي المخترَق.
غير أن الجر لرب لا للواو، كما أن النصب في الفعل إنما هو لأن المضمرة، لا للفاء ولا للواو ولا (لأو) .
ومن ذلك ما حذف من الأفعال وأنيب عنه غيره. مصدرًا كان أو غيره... فالعمل الآن إنما هو لهذه الظواهر المقامات مقام الفعل الناصب.
ومن ذلك ما أقيم من الأحوال المشاهدة مقام الأفعال الناصبة، نحو قولك: إذا رأيت قادمًا:
خيرَ مقدم، أي قدمت خير مقدم. فنابت الحال المشاهدة مناب الفعل الناصب فهذا ونحوه لم يرفض ناصبه لثقله، بل لأن ما ناب عنه جار عندهم مجراه، ومؤد تأديته (30) .
وبعد فقد تبين لنا من هذا العرض المقتضب للعوامل أن الرأي السائد فيها هو أنها محدثة حركات الإعراب وهذه الحركات سبب تنوع معاني الكلم.. كما لاحظنا أن فكرة العامل دخلت جميع أبواب النحو، وأن هذه الأبواب وزعت على أساسها، فهلا ناقشنا هذه الفكرة فتعرفنا جوانب الصواب فيها؟!
لا بأس لدينا من خلال ما جاء في كتاب"الرد على النحاة".
لقد ثار ابن مضاء القرطبي (511-592هـ) في كتابه هذا على قول النحاة بالعامل، ولم يلتفت إليه أحد، ولم يؤبه لرأيه هذا، وظل كتابه قابعًا في زاوية مظلمة، إلى أن قيِّض له الدكتور شوقي ضيف في سنة (1947م) فحققه وقدم له بمقدمة أشاد فيها بهذا الرجل وبكتابه، ونعته بالطرفة البديعة!