يرجع ابن الأنباري في فعل"يهوي"إلى"قطرب"لإثبات أنه من الأضداد، فيقول: يكون بمعنى يصعد، ويكون بمعنى ينزل، وأنشد
والدلوُ تهوي كالعقاب الكاسرِ
وقال: معناه تصعد. والمعروف في كلام العرب، هوت الدلو تهوي هُوِيًّا إذا نزلت. قال ذو الرمَّة:
بذات الصوى آلافه وانشلالها.
كأن هويّ الدلو في البئر شلَّةٌ
آلاف جمع ألْف (37) .
وفي تقديمه الفعل"أخفيت"الشيء: إذا سترته، وأخفيته إذا أظهرته، يستشهد بقوله تعالى"إن الساعة آتية أكاد أخفيها"فمعناه أكاد أسترها، وفي قراءة"أُبيّ". أكاد أخفيها من نفسي، فكيف أطلعكم عليها. ويذهب إلى أن تأويل من نفسي، من قَبِلي ومن غيبي، كما قال تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك. ويقال: معنى الآية أن الساعة آتية أكاد أظهرها. ويقال: خفيت الشيء إذا أظهرته.
ويستشهد على معنى الإظهار بقول الشاعر:
في أربع مسُّهُنَّ الأرضَ تحليل.
يخفي التراب بأظلاف ثمانية
وعلى معنى الإخفاء بقول الكنديّ:
وإن تبعثوا الحرب لا نقعدِ (38)
فإن تدفنوا الداء لا نخْفِه
وفي"خبت"النار: إذا سكنت وإذا حميت يستشهد بقول الكميت:
مؤجّجُ نيران المكارم لا المُخْبي
ومنّا ضرارٌ وابنَماه وحاجب
أراد بالمخبي المسكِّن للنار.
ثم ينتهي إلى قوله تعالى"كلما خبت زدناهم سعيرًا". يقول ابن الأنباري: قال بعض المفسرين معناه توقدت. وهذا ضد الأول. ويروي عن الحجاج عن ابن جريج -بعد العنعنة- أنه قال في"كلما خبت": خَبُوُّها توقدها، فإذا أحرقتهم فلم تبق منهم شيئًا، صارت جمرًا يتوهج، فإذا أعادهم الله عز وجل خلقًا جديدًا عاودتهم (39) .. ثم يتابع الاستشهاد والتأويل في هذين المعنيين المتضادين.
وفي عنعنة تنتهي إلى عبد الله بن الزبير يقدم الفعل"تلحلح"بمعنى إذا أقام في الموضع وثبت، وإذا زال، يروي عن رسول الله (ص) أنه لما هاجر إلى المدينة ودخلها، جاءت به ناقته إلى موضع المنبر فاستناخت وتلحلحت.