إنه لينتابنا العجب مما احتواه هذا الكتاب بين دفتيه! فهو لم يبق على أصل من أصول النحو.. ودعوته إلى إسقاط نظرية العامل لا يمكن أن يقبل بها مصيب.. بل هي دعوة خرقاء ضلت الطريق القويمة، وانحازت عن السداد.. أو ليس صرح النحو كله قائمًا على أساس فكرة العامل؟ فما دامت الدعوة إلى إسقاطها دعوة إلى هدم النحو العربي فليس لنا أن نقبلها بأية حال.. وليس له فيما ذكر ابن جني عن العامل حجة يحتج بها في تحقيق مراده... صحيح أن المتكلم كما ذكر أبو الفتح هو المحدث لتلك المعاني المختلفة الناتجة عن تنوع حركات الإعراب، إلا أنه اتخذ من العوامل وسيلة لإحداث الإعراب الذي هو إبانة لما في نفس المتكلم، ودليل على المعنى الوظيفي للكلمة"فالموجد كما ذكرنا لهذه المعاني هو المتكلم، لكن النحاة جعلوا الآلة كأنها هي الموجدة للمعاني ولعلاماتها. ولهذا سميت الآلات عوامل.. وثبت أن العامل في الاسم ما يحصل بوساطته في ذلك الاسم المعنى المقتضي للإعراب وذلك المعنى كون الاسم عمدة أو فضلة أو مضافًا إليه العمدة أو الفضلة.." (39) .
وإذا كان قد احتج على إلغاء العوامل بما جرَّته على النحو من التعقيد، فإن التعقيد جاء من متأخري النحاة، إذ بالغوا بأمر العامل وشعَّبوا وجوه القول فيه، وأسقموا النحو بمصطلحات المنطق وعلم الكلام.."وقد لا يكون تفسير ا لأمر صعبًا إذا عدنا إلى القرن الرابع فوجدنا جوًا زاخرًا بالعلوم العربية والأعجمية، ورأينا عقلية بلغت من النضج والخصب مبلغًا عظيمًا، وأدركنا غلبة المنطق وأساليب الكلام ونفاذها في علوم ذلك العصر" (40) .
وليس ما وصلت إليه فكرة العامل عند المتأخرين بمسوغ له أن يدعو إلى إسقاطها وهدمها من الأساس.. فما يهمنا أنها معتدلة عند متقدميهم وفي طليعتهم الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه، وإذا أردنا أن نحكم في مسالة علينا أن نردها في منبعها.