أما اعتراضه على تقدير العوامل المحذوفة فليس بشيء بدليل أنهم أجمعوا على تقدير الفعل المنصوب بأن المضمرة بمصدر وجعلوا له محلًا من الإعراب حسب موقعه من الكلام.. وهل نستطيع أن نفسر نصب (زيدًا) في قولنا: (زيدًا كلمته) إلا على أنه مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده... وكذلك كلمة (المسكين) مرفوعة في قولنا: مررت به المسكين إلا على أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو) كما ذكر سيبويه. وماذا نقول في ناصب (خيرًا) في قوله تعالى: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا خيرًا) سوى أنه فعل محذوف دل عليه السياق؟ وفيما ذكرناه من كلام ابن جني عن تقدير العوامل المحذوفة ثبت لما نقول (وانظر الخصائص 1/284) .
وأما ما ذكره من أن إجماع العلماء على القول بالعامل ليس بحجة فلا يمكن أن يطلق هذا ليكون مبررًا لكل ذي نزوة من نزوات تفكره.. وإلا لكانت العلوم فوضى ولأدلى كل واحد بما يحلو له.. إننا نعارض إغلاق أبواب الاجتهاد في مسائل اللغة، لأننا أحرص ما نكون على تطورها ومواكبة روح العصر.. حتى لو خالف المجتهد الجماعة، ولكننا"مع هذا الذي رأيناه وسوغنا مرتكبه لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي قد طال بحثها، وتقدم نظرها... إلا بعد أن يناهضه إتقانًا، ويثابته عرفانًا، ولا يخلد إلى سانح خاطره، ولا إلى نزوة من نزوات تفكره" (41) وما ابن مضاء في مخالفة الجماعة إلا مخلد لسانح خاطره، ونزوة تفكيره.. فما عرف أنه رجل فقه وقضاء أكثر من كونه نحويًا.. فلا حجة له.