الصفحة 20 من 337

وما دام قد دعا إلى إلغاء العلل الثواني والثوالث نود أن نبين العلاقة بين نظرية العوامل وبين"علل النحو"فنقول أولًا إنهما نابعتان كلتاهما من معين واحد هو العقل البشري الذي من طبيعته التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء أية ظاهرة مهما كان نوعها، وبالتالي طموحه إلى تفسيرها وإخضاعها لأحكام منطقه. ويبدو لنا أن العلل النحوية بصورتها البسيطة، وهي التي يسميها الزجاجي"العلل التعليمية"قد رافقت في الأساس نظرية العوامل، بل هي امتزجت بها، حتى ليصعب على المرء التمييز بينهما (44) أما ما آلت إليه نظرية العلة النحوية فيما بعد فبعيد عن نظرية العوامل. فلم تعد العلة مفتاحًا يتوسله العلم لشرح معضلة استغلق ذهن الطالب دون فهمها، بل راحت تتلبس على مر العصور بمفروزات المنطق الفلسفي ومركباته، حتى ناءت بها كتب النحو واللغة لكثرة ما عملت فيها نفخًا وإطالة. وهذا ما قصدنا إليه حين قلنا بتعقيد"علل النحو"في العصور المتأخرة وبعدها عن العلة في نشأتها الأولى وبالتالي عن نظرية"العوامل"التي هي صنو لها (43) وهذا ما جعل ابن جني أيضًا يرفض العلل الثواني والثوالث ويكتفي بالعلة الأولى (44) فلم يكن لابن مضاء سبق القول برفضها.

وليس أدل على خطل ما جاء به، كما ذكر الدكتور مازن المبارك، من أن دعوته لم تكن أكثر من صرخة دوَّت في أواخر القرن السادس الهجري ثم خمدت فلم تترك وراءها من الأثر أكثر مما يتركه النجم الهاوي من ذيل يضيء ثم لا يلبث أن يضمحل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت