آ-أن يكون في صيغة الزمن الماضي الخاصة بالشخص الثالث، وهذا متوفر في أصل الفعل العربي، لأن هذا الأصل هو نفس تلك الصيغة.
ب-أن تكون تلك الصيغة مستخدمة في خبر غير ابتدائي، أي يكون كل من المتكلم والمخاطب قد سمع الحدث وشاهد من قام به. ويقتضي ذلك أن تكون صيغة الفعل -الأصل مأخوذة من أصوات الطبيعة أو الحيوان ليتم الربط فيها بين الصوت والمعنى من كونها تحمل في طياتها انبثاق المعنى من الصوت عفويًا في الموقف الكلامي الذي تستخدم فيه.
وذكرنا أن الثنائية المؤلفة من مقطع صوتي واحد لا توجد إلا في الطبيعة نفسها، وحين يحاكي الإنسان ذلك المقطع الثنائي الموجود في الطبيعة يضطر إلى أن ينطق بعده مباشرة مقطعًا صوتيًا جديدًا (خرْ + رَ) أو مقطعين صوتيين مقتبسًا من الثنائية الطبيعية.
فهل يعني ذلك أن الإنسان قد حاكى بادئ ذي بدء أصوات الحيوان؟!
تتميز أصوات الحيوان بأنها أصوات غير متميزة العناصر أي هي عبارة عن مجموعة من الأصوات المندمجة ببعضها (20) . وهذا يعني أن محاكاة الإنسان لها يؤمن توفر واحدة من الخصائص المميزة لأصل الكلام الإنساني (أن يلفظ في مقطع صوتي واحد) ، ويؤمن بالتالي انبثاق المعنى من الصوت عفويًا في الموقف الكلامي الذي تستخدم فيه، ونشير هنا إلى أن الأستاذ عبد الحق فاضل قد أوجد قسمًا جديدًا في علم اللغة سماه"الترسيس"، هو إعادة اللفظة إلى جدتها الأولى في صورتها التي نطق بها تقليدًا لأحد الأصوات المسموعة مثل محاكاة أصوات الطبيعة أو الحيوانات، مع تعقب المراحل التطورية التي قطعتها تلك اللفظة حتى وصلت إلى الصورة التي نعرفها في إحدى اللغات (21) . وأورد الأستاذ فاضل أمثلة عن الترسيس في مقالة بعنوان"آثار حيوانية في اللغة العربية" (22) .