وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنَّما قلنا: إن الناصب للمفعول هو الفعل دون الفاعل، وذلك لأن أجمعنا على أن الفعل له تأثير في العمل، أما الفاعل فلا تأثير به في العمل، لأنَّه اسم، والأصلُ في الأسماء أن لا تعمل، وهو باقٍ على أصله في الاسمية، فوجب أن لا يكون له تأثير في العمل، وإضافة ما لا تأثير له في العمل إلى ما له تأثير ينبغي أن يكون لا تأثير له" ( [9] ) ."
ومتحصّل الأمر أن العلاقة التي تربط الفعل ذات أثر وتأثير، وهذا التأثير يحتاج إلى مفعول، بصرف النظر عن الناصب الحقيقي للمفعول، فالعلاقة الناظمة لهذين الأمرين هي التي تكوِّن الجملة الفعلية، إذ بهما تقوم الجملة الفعلية، وتتحقق علاقة الإسناد.
إن سلَّمنا بأن الرافع للفاعل هو الفعل، وأنَّ الناصب للمفعول هو الفعل؛ فعلينا أن نسلّم أن هذا التأثير الذي يرفع الفاعل وينصب المفعول ثابت في الاسمين معًا، وإلا... فما معنى أن يرفع الفعل الفاعل دائمًا، وينصب المفعول حينًا ولا ينصب حينًا آخر، فالتسليم بتأثير العلاقة بين الفعل والفاعل تسليمٌ بأن ظهورها يكون على المفعول، وأما كون المفعول به صريحًا أو غير صريح، فهذا يدخل في أثر الإعراب المباشر، ولا ينفي وجود المفعولية في المعنى.
والعبارة الجيدة في هذا السياق أن تقول: إنَّ الناصب للمفعول به ليس الفعل وحده، ولا الفاعل وحده، ولا الفعل والفاعل معًا، وإنما علاقة الفعل بالفاعل وتأثير ذلك في المفعول، ولاسيما أنهما يكونان علاقة الإسناد في الجملة الفعلية، وفي إعراب الكلمة حالًا دليلٌ على ذلك، نحو:"جاء زيد مبتسمًا"، إذ إنَّ الفاعل هو صاحب الحال، والعامل في نصبه هو الفعل، والحقيقة لا معنى للحال بلا صاحبه، والنصب من علاقة الفعل والفاعل، ولا نصب من غير الفعل والفاعل معًا.