ومَن قال: إن نصب الحال من تأثير الفعل جرى على ما أراده البصريون من جعل الفعل هو العامل الحقيقي في المنصوب، أو ما له تأثير الفعل، وهذا الكلام نصٌّ في الحقيقة لو فُهم على أن تأثير الحدث ليس مجردًا، والحدث المجرد لا تأثير له، وإنما التأثير من العلاقة الإسنادية، فالأمور المجردة لا معنى لها، ومعانيها تتأتَّى من سياقها، وهو أشبه بنار تخرج من ضرب حجرين ببعضهما، إذ الحجر الواحد لا يقوى على ذلك، ولكنَّ العلاقة بين هذين العنصرين تخرج هذه النار، فالتأثير حصل من علاقتهما، وليس من أحدهما فقط، وهذا يقودنا إلى القول: إن المنطق الذي يفرض فاعلًا لأي فعل، يفرض أيضًا مفعولًا لأي فعل وفاعل.
لكن ما معيار أن يكون هذا المفعول منصوبًا، نحو:"كتب زيد رواية"، أو مجرورًا بحرف، نحو:"لعب زيد بالكرة"، فالكرة من حيث المعنى هي المفعول الذي وقع عليه حدث اللعب، غير أن هذا الحدث لا يقع على المفعول وحده، وإنما يحتاج إلى من يوقعه وهو الفاعل، فمعنى اللعب المجرد لا قيمة له، أو لا أثرَ له، لكن اللعب الواقع بتأثير اللاعب في المفعول هو الذي يؤثر في الكلمات، ويسميها بمسمياتها الوظيفية في السياق.
وما يدلُّ على أن الفعل متعدٍّ ـ وإن كان لازمًا ـ قول ابن جني:"واعلم أن الفعل إذا أوصله حرف الجر إلى الاسم الذي بعده، وجره الحرف؛ فإن الجار والمجرور جميعًا في موضع نصب بالفعل الذي قبلهما، وذلك قولك:"مررت بزيد"، فـ"زيد"مجرور، و"بزيد"جميعًا في موضع نصب" ( [10] ) ، وقوله في سياق آخر:"الفعل في التعدي إلى المفعول به على ضربين: فعل متعدٍّ بنفسه، وفعل متعدٍّ بحرف جر، فالمتعدي بحرف الجر نحو قولك:"مررت بزيد ونظرت إلى عمرو وعجبت من بكر"، ولو قلت:"مررت زيدًا وعجبت بكرًا"، فحذفت حرف الجر لم يجز ذلك إلا في ضرورة شعر، غير أن الجار والمجرور جميعًا في موضع نصب بالفعل الذي قبلهما" ( [11] ) .