وفي ما تقدَّم من كلام لابن جني إشارة ظاهرة إلى ما ذهب البحث إليه، ولاسيما أن الحرف في حقيقته لا محلَّ له من الإعراب، فإذا قيل: إن هذا يجري على الفعل نفسه، قلت: إن الفعل ـ وإن كان يلتقي مع الحرف في هذا ـ معرِبٌ عن حقيقته باسمه، وهذا لا يتأتَّى للحرف، لأنَّ معناه يتأتَّى من غيره، فكونه لا محل له من الإعراب دليلٌ على ذلك، بالإضافة إلى أمر الاختصار الذي سبق ذكره، وكلُّ ما هو مختصر أصلٌ لخلافه، فالباء الجارة أغنت عن كلام قد يطول، وكذا غيرها، وهذا قد يفيد في سبيل القول: إن دخول حرف الجر في اللغة كان في وقت متأخر، ليكون سبيلًا إلى الاختصار، واللغة تتطور بالتعبير عن المعاني الكثيرة بأقل عدد ممكن من الكلمات، وعلى هذا فُهمت البلاغة العربية، وغير ذلك من تنوع الأساليب.
إذًا، فاللغة لا تعرف الاختصار إلا بعد مدة غير يسيرة من استعمالها، لأنَّه دليل تطورها، وهذا لا يأتي دفعة واحدة ولكن شيئًا فشيئًا، وإذا كنا نوافق ابن جني في أن الحرف دليل على استغناء اللغة عن كلام مطوَّل؛ فإننا لا نوافقه في أن اللغة عرفت الأجناس الثلاثة في وقت واحد، لأن هذا يخالف طبيعتها، ويجافي سجية مستعمليها، واللغة في أيامنا هذه تقدم دليلًا واقعيًا على ذلك، إذ إنها تميل إلى شدة الاختزال لتستطيع اللحاق بالمعاني المستجدة بسبب تقدَّم الإنسان في الصُّعد كافة.
قال ابن جني:"فأمَّا أيُّ الأجناس الثلاثة تقدم؟ أعني الأسماء والأفعال والحروف، فليس ما نحن عليه في شيء، وإنما كلامنا هنا هل وقع جميعها في وقت واحد، أم تتالت وتلاحقت قطعة قطعة وشيئًا بعد شيء وصدرًا بعد صدر؟ وإذ قد وصلنا من القول في هذا إلى هاهنا، فلنذكر ما عندنا في مراتب الأسماء والأفعال والحروف، فإنه من أماكنه وأوقاته."