الصفحة 295 من 337

اعلم أنَّ أبا علي رحمه الله كان يذهب إلى أنَّ هذه اللغة ـ أعني ما سبق منها ثمَّ لحق به ما بعده ـ إنَّما وقع كلُّ صدر منها في زمان واحد، وإن كان تقدم شيء منها على صاحبه، فليس بواجب أن يكون المتقدِّم على الفعل الاسمُ، ولا أن يكون المتقدِّم على الحرف الفعلُ، وإن كانت رتبة الاسم في النفس من حصة القوة والضعف أن يكون قبل الفعل والفعلُ قبل الحرف.

وإنما يعني القوم بقولهم: إن الاسم أسبق من الفعل أنه أقوى في النفس وأسبق في الاعتقاد من الفعل لا في الزمان، فأمَّا الزمان؟ فيجوز أن يكونوا عند التواضع قدَّموا الاسم قبل الفعل، ويجوز أن يكونوا قدَّموا الفعل في الوضع قبل الاسم، وكذلك الحرف، وذلك أنَّهم وزنوا حينئذ أحوالهم، وعرفوا مصاير أمورهم، فعلموا أنهم محتاجون إلى العبارات عن المعاني، وأنها لا بد لها من الأسماء والأفعال والحروف، فلا عليهم بأيِّها بدؤوا بالاسم أم بالفعل أم بالحرف، لأنهم قد أوجبوا على أنفسهم أن يأتوا بهن جمع، إذ المعاني لا تستغني عن واحد منهن، هذا مذهب أبي علي، وبه كان يأخذ ويفتي.

وهذا يضيِّق الطريق على أبي إسحاق وأبي بكر في اختلافهما في رتبة الحاضر والمستقبل، وكان أبو الحسن يذهب إلى أن ما غُيِّر لكثرة استعماله، إنَّما تصورته العرب قبل وضعه، وعلمت أنه لابدَّ من كثرة استعمالها إياه، فابتدؤوا بتغييره، علمًا بأن لابدَّ من كثرته الداعية إلى تغييره، وهذا في المعنى كقوله ( [24] ) :

رأى الأمر يفضي إلى آخر فصيَّر آخرهُ أوَّلًا

والقول عندي هو الأول، أنه أدلُّ على حكمتها وأشهد لها بعلمها بمصاير أمرها" ( [25] ) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت