الصفحة 296 من 337

ثمَّ قال:"فإن قلت: هلا ذهب إلى أن الأسماء أسبق رتبة من الأفعال في الزمان، كما أنها أسبق رتبة منها في الاعتقاد، واستدللت على ذلك بأن الحكمة قادت إليه، إذ كان الواجب أن يبدؤوا بالأسماء، لأنها عبارات عن الأشياء، ثمَّ يأتوا بعدها بالأفعال التي بها تدخل الأسماء في المعاني والأحوال، ثمَّ جاؤوا فيما بعد بالحروف، لأنك تراها لواحق بالجمل بعد تركبها واستقلالها بأنفسها، نحو:"إن زيدًا أخوك وليت عمرًا عندك وبحسبك أن تكون كذا"، قيل: يمنع من هذا أشياء، منها: وجود أسماء مشتقة من الأفعال، نحو: قائم من قام، ومنطلق من انطلق، ألا تراه يصح لصحته، ويعتل لاعتلاله، نحو: ضرب فهو ضارب، وقام فهو قائم، وناوم فهو مناوم، فإذا رأيت بعض الأسماء مشتقًا من الفعل، فكيف يجوز أن يعتقد سبق الاسم للفعل في الزمان، وقد رأيت الاسم مشتقًا منه، ورتبة المشتق منه أن يكون أسبق من المشتق نفسه، وأيضًا فإن المصدر مشتق من الجوهر، كالنبات من النبت، وكالاستحجار من الحجر، وكلاهما اسم، وأيضًا فإن المضارع يعتل لاعتلال الماضي، وإن كان أكثر الناس على أن المضارع أسبق من الماضي، وأيضًا فإن كثيرًا من الأفعال مشتق من الحروف، نحو قولهم:"سألتك حاجة فلوليت لي"، أي قلت لي:"لولا"، و"سألتك حاجة فلاليت لي"، أي قلت لا:"لا"، واشتقوا أيضًا المصدر ـ وهو اسم ـ من الحرف، فقالوا:"اللالاة واللولاة"، وإن كان الحرف متأخرًا في الرتبة عن الأصلين قبله الاسم والفعل، وكذلك قالوا:"سوفت الرجل"، أي قلت له:"سوف"، وهذا فعل كما ترى مأخوذ من الحرف" ( [26] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت