الصفحة 297 من 337

ثمَّ خلص إلى قوله:"فقد علمت بما قدمناه وهضبنا ( أي: أفَضْنَا) فيه قوة تداخل الأصول الثلاثة الاسم والفعل والحرف وتمازجها وتقدم بعضها على بعض تارة وتأخرها عنه أخرى، فلهذا ذهب أبو علي رحمه الله إلى أن هذه اللغة وقعت طبقة واحدة، كالرقم تضعه على المرقوم، والميسم يباشر به صفحة الموسوم لا يحكم لشيء منه بتقدم في الزمان، وإن اختلفت بما فيه من الصنعة القوة والضعف في الأحوال" ( [27] ) .

غير أن هذا الكلام لا يمنع من أن المعاني ما كانت تستدعي وجود هذا الحرف سابقًا، لأنها عرضة للتغير أولًا والتطور ثانيًا، فاللغة تتبع المعاني، وليست المعاني تابعة للغة، فأبو علي يقول:"إذ المعاني لا تستغني عن واحد منهن"، وكلامه نصٌّ في الحقيقة إذا سلَّمنا بأن المعاني وُلدت في اللغة دفعة واحدة، وهذا ممَّا يخالفه الواقع اللغوي في حقب اللغة المختلفة، وما يدلُّ على ذلك ما يُستحدث من المعاني الجديد التي ما كانت اللغة تعرفها، وهي كثيرة.

وأمَّا أمرُ أنَّ عددًا من الأفعال أُخذ من الحروف؛ فيردُّه أن هذا الاشتقاق لا يعدُّ أصلًا، بل قد تكون اللغة عرفت ذلك في مرحلة معينة، ومما يقوِّي هذا أن ذلك محدود، وهو غير مقيس، والتداخل حصل فيما بعد.

فاللغة عرفت اللازم في وقت متأخر، يقوِّي ذلك ثلاثة أمور:

أولها: أنَّ المعاني لم تولد في اللغة دفعة واحدة، وإنما جاءت متتابعة.

ثانيهًا: أنَّ الحرف لا محلَّ له من الإعراب، وما لا محلَّ له لا قيمة له في السياق الأصلي للغة.

ثالثها: أن اللازم يتعدى بالحرف، وهو دليل على مرحلة اختزال، عرفتها اللغة.

وقد خلص البحث إلى عدد من النتائج، أهمها:

ـ أن التسليم بأن لكل فعل فاعلًا نصٌّ في أن الفاعل لا معنى له بلا مفعول، إذ إن وجود الفاعل دليلٌ على وجود المفعول، مع حرية التفكير في كيفية العلاقة بين الفعل والمفعول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت