الصفحة 49 من 337

لقد كان اللسان العربي المبين (الذي أنزل القرآن به) عاملًا في التوحيد اللغوي لجميع العرب، لأن القانون اللساني العام يقضي بحتمية انتصار خصائص الطور الحديث للسان على خصائص الطورين الأوسط والقديم، لأن خصائص الطور الحديث تمتاز بأنها من حيث الفصاحة والإبانة أيسر وأفضل في التعبير عن الأفكار وأداء وظيفة الاتصال.

ويعني ذلك أن انتصار مزايا اللسان العربي المبين قد أدى إلى انحسار خصائص الطورين القديم والأوسط للسان العربي، وأصبح العرب على اختلاف مناطقهم وقبائلهم يتكلمون بلسان القرآن الكريم. وبعبارة أخرى صار اللسان العربي المبين لسان العرب أجمعين، دون أن تبتلع لغة (لهجة) عربية لغة (لهجة) عربية أخرى كما يدعي نفر من المستشرقين ومن يتابعهم من الباحثين العرب. ويصح بهذا المعنى وصف القرآن بأنه (عربي) ، لأنه أنزل باللسان العربي المبين الذي صار اللسان العربي الواحد المشترك بين جميع العرب، وصار يطلق عليه فيما بعد تسمية (اللغة العربية الفصيحة) .

ولعل من المناسب أن نتوقف الآن عند قول عمرو بن العلاء (ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا(33) . إننا نرى، في ضوء ما عرضناه أعلاه، أن المقصود بعبارة (ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا) أن (لسانهم أقل إفصاحًا وإبانة) ، لأنه يعكس -كما رأينا- طورًا قديمًا من أطوار اللسان العربي، بينما (لساننا هو اللسان المبين) ، لأنه يعكس طورًا حديثًا من أطوار اللسان العربي. ونلاحظ أن ابن العلاء استخدم تعبير (لسان) مضافًا إلى (حمير وأقاصي اليمن) للإشارة إلى مجموعة من اللغات (اللهجات) العربية. ونرى أن المقصود بعبارة (ولا عربيتهم بعربيتنا) أن (ذلك اللسان العربي يبدو مغايرًا لعربيتنا المبينة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت