الصفحة 50 من 337

ثم ننتقل إلى ما ذكره ابن جني في الخصائص:"وبعد فلسنا نشك في بعد لغة حمير ونحوها عن لغة ابني نزار" (34) . ونعقب عليه بأن ابن جني حين تحدث عن بعد لغة حمير عن لغة ابني نزار، أكد بعد نحوها أيضًا. ونرى أن السبب في ذلك يرجع إلى أن لغة (لهجة) حمير تدخل في طور قديم للسان العربي يختلف نمط البنية القواعدية (الصرفية والنحوية) فيه عن نمط البنية القواعدية في طور اللسان العربي الحديث (المبين) الذي تدخل فيه لغة ابني نزار. ويعني ذلك أن (لغة حمير تختلف عن لغة ابني نزار، لأن الأولى تدخل في طور قديم من أطوار اللسان العربي، بينما تدخل الثانية في طور حديث من أطوار اللسان العربي) .

بقي علينا أن نجيب عن السؤال الذي كنا طرحناه في بداية المقال وهو: هل تكفي معرفة الخصائص البنيوية للتراكيب في العربية لفهم معاني القرآن الكريم؟

أشرنا في المقالة الثانية من هذه السلسلة إلى تميز مفهوم (الكلمة) في علم اللغة العربية نتيجة لاشتمال النظام اللغوي للعربية على طريقة اندماج الكلمات. وبيَّنا فيها خصائص بنية الفعل والاسم في العربية، وحددنا أنماط التراكيب. ونضيف هنا أن نظرتنا الجديدة إلى اللسان العربي (التي اعتمدت المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية) قد كشفت عن ثلاثة أطوار مر بها اللسان العربي في مسار تطوره التاريخي (تتميز بوجود اختلافات في نمط البنية الصرفية والنحوية) . ويعني ذلك أن الخصائص البنيوية لأنماط التراكيب في العربية -التي حددناها في المقالة الثانية- تعكس بنية اللسان العربي المبين، أي بنية الطور الحديث من أطوار اللسان العربي. ونخلص من ذلك إلى التأكيد أن الفهم الأمثل لمعاني القرآن الكريم وإعجازه يقتضي معرفة الخصائص البنيوية للتراكيب في العربية في ضوء المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية (35) .

الهوامش:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت