الصفحة 59 من 337

ومن شواهد الأصالة اللغوية، ومميزاتها ظاهرة الإعراب الموجودة في اللغة كما لاحظنا في شتى اللهجات العربية القديمة، وقد تحدث المستشرق الألماني يوهاز فك عن هذه الظاهرة المميزة مطولًا في كتابه (العربية) ، وأشار إلى أنها احتفظت بهذه السمة العريقة، وقال (46) :"لقد احتفظت العربية الفصحى، في ظاهرة التصرف الإعرابي، بسمة من أقدم السمات اللغوية التي فقدتها جميع اللغات السامية ـ باستثناء البابلية القديمة ـ قبل عصر نموها وازدهارها الأدبي، وقد احتدم النزاع حول غاية بقاء التصرف الإعرابي في لغة التخاطب الحي".

كما تحدث المستشرق الألماني شبيتالر عن العربية الفصحى وعلاقتها باللهجات القبلية المختلفة، وقدرتها على استيعابها وتمثلها واحتفاظها بما تستسيغه من أساليب وتستحسنه من ألفاظها، ومما قاله (47) :

"وهذه اللغة الفصحى تعد ـ كما يقول (بريتوريوس Pratorius) لغة فنية خالصة، وتعلو بما لها من طبيعة مميزة على كل اللهجات، غير أنها إذ تجري على ألسنة المتحدثين بهذه اللهجات، فإنها لم تخل من تأثير تلك اللهجات فيها باستمرار، ولعلها اختلفت من جهة إلى أخرى تبعًا لذلك، غير أن الجهود المنظمة، والعاملة على طرد القاعدة للغويين المتأخرين استطاعت طمس هذه الاختلافات طمسًا تامًا".

وإطراد القاعدة هنا إشارة هامة إلى مذهب اللغويين والنحاة المتأخرين، ذلك أنهم آثروا اختيار الوجوه الشائعة الأصيلة في اللغة كما عرفتها العربية في عصر أصالتها من خلال شواهدها الشعرية والقرآنية وخطبها الجاهلية المسجعة..، وقد أشار المستشرق شبيتالر إلى هذه الحقيقة معتمدًا على ما أورده الباقلاني في كتابه المعروف بـ (إعجاز القرآن) ، ومما قاله (48) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت