"أما هذه العربية نفسها، فهي تلك القديمة الحقيقية التي تعود إلى ما قبل التاريخ، والتي ترفعت عن لهجات الخطاب منذ زمن، ورويت لنا كابرًا عن كابر، في نصوص محددة تمامًا هي تلك اللغة التي يمكن أن تعرّف بقول الباقلاني: أشعار أهل الجاهلية، وكلام الفصحاء والحكماء من العرب، كلام الكهان وأهل الرجز والسجع وغير ذلك من أنواع بلاغتهم وصنوف فصاحتهم".
كما تحدث الأرسوزي عن نشأة اللغة من الطبيعة الخارجية وعلاقتها بالأمة، فقال (49) :
"إن اللسان العربي، وهو بدائي وعضوي البنيان، يكشف عن صورة الأمة التي أنشأته، ويهدينا إلى شمول الوصفية كافة مظاهرها، إذ كان العرب في جاهليتهم يسمون تقسيمات الزمان بحالات المكان الملتبسة فيها، وبتجليات أمتهم التي يترافق ظهورها تاريخيًا معها، فأطلقوا على أيام الأسبوع أسماء: (أول) ، (أهون) ، (جبار) ، (ديَّار) ، (مؤنس) ، (عروبة) ، (تيار) (50) ... وكانوا يطلقون في ذلك العهد على شهور السنة الأسماء الآتية: (مؤتمر) ، (ناجر) ، (خوَّان) ، (صوّان) ، (رنِّي) ، (أثدة) ، (عادل) ، (ناطل) ، (واغل) ، (ورنة) ، (يوك) ."
وخلص، بعد استعراضه طائفة أخرى من الألفاظ، إلى أن المجتمع العربي انحدر في اتجاه تلك الشعوب المتجمدة، واستبدل هذه الأسماء بأخرى دخيلة على الذوق العربي، وهي السبت والأحد والاثنين.."."
يتضح مما تقدم معنا أن التقريش المضري، والقرشية الجاهلية كانا من أهم العوامل في حركة التوحيد اللغوي التلقائي قبل الإسلام، فاكتملت مرحلة الأصالة التراثية، وبدأت بواكير مرحلة النضح والإعجاز اللغوي بظهور الإسلام، وكان القرآن المعجزة الكبرى التي حققها اللسان العربي المبين عبر عصوره المديدة، في قمة عطائه الإنساني، ولذلك عده الأرسوزي أسمى المظاهر التي تجلت فيها وجهة نظر الأمة العربية (52) .