الصفحة 99 من 337

فمما قاله (ابن جني) في توضيح كيفية قيام العربي بإبداع كلماته تعبيرًا عن معانيه:

(حذوًا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث. كما قال أيضًا:"سوقًا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد"بمعنى أن العربي كان يصور الأحداث بأصوات الحروف. فيضع الحرف الأول بما يضاهي أول الحدث، ويضع الحرف الثاني بما يضاهي وسطه، والثالث بما يضاهي نهايته. وضرب لذلك أمثلة موفقة في(بحث -قدر -قطر -قتر -شدّ -دشَّ) (الخصائص(4) ج2 ص 162 163).

ومما قاله الأرسوزي: أن معنى الحرف هو صدى صوته في الوجدان، (أي النفس) .

على ان ما عرضناه آنفًا من تعامل القائلين بفطرة اللغة العربية مع خصائص الحروف الإيحائية قد اقتصر على بعض خصائص بعضها في لمح ذكية لا ترقى إلى النهج العلمي عمقًا وشمولًا. وذلك لأنهم اعتبروا الكلمة العربية هي الأصل، والحرف العربي فرعًا منها. فكان هذه الاعتبار هو أصل العقبات جميعًا إلى (أصالة الحرف العربي وحداثته) .

ثالثًا: فماذا عن العقبات إلى أصالة الحرف العربي وحداثته؟

العقبة الأولى: تبعية الحرف العربي للكلمة العربية:

هي من أهم العقبات وأصلها جميعًا. تتجلى في اعتماد علماء العربية (معاني) الكلمات لاستخلاص معنى الحرف الذي يقع في أولها أو في آخرها، ثم يعتمدونه في تحديد معانيها.

وذلك بدلًا من اعتماد (خصائص) الحروف التي تشارك في تراكيبها لتجديد معانيها بصورة مباشرة. فماذا إذن عن الفروق بين معاني الحرف العربي وخصائصه؟

سأقتصر في حديثي هنا على الخصائص (الصوتية) للحروف العربية التي اهتدى كثير من علماء العربية إلى بعضها، تاركًا الحديث عما لم يفطنوا إليه من خصائصها (الهيجانية والإيمائية) إلى مناسبة أخرى. ان الخصائص الصوتية لأي حرف هو:"صدى صوته في النفس"كما مرَّ بنا. وهذا الصدى يوحي بمعنى معين لا بل وبعدد من المعاني. فصوت (الشين) يوحي بالتفشي والانتشار والجفاف وهكذا (الصاد) للصقل والصفاء والصلابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت