الصفحة 73 من 106

فعل سلوكي معين [1] . ولعل الحكمة من هذا الإنكار التوبيخي أن يتفرغ للفريضة من أولها حتى لا تفوته فضيلة تكبيرة الإحرام مع الإمام [2] . وفي الوقت نفسه تنبيه للآخرين وتوجيه لئلا يتكرر هذا الفعل.

خرج التوكيد اللفظي بالجملة الفعلية إلى التطمين والتسكين، ومن ذلك:

عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس قال وقد فزع أهل المدينة ليلة سمعوا صوتًا قال فتلقاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى فرس لأبي طلحة عريٍ وهو متقلد سيفه فقال لم تراعوا لم تراعوا ... ." [3] .

لقد أخبر النبي الكريم، في هذا الحديث، بفزع وقع بالمدينة فأصبح جوها مشحونًا بالفزع، فبادر (عليه الصلاة والسلام) باحثًا عن مصدر هذا الفزع إذ هو على فرسٍ لأبي طلحة وهو يقول (لم تراعوا) مرتين. والمعنى لا تخافوا فالعرب تتكلم بهذه الكلمة واضعة (لم) موضع (لا) [4] . فأراد النبي الكريم من هذا التكرار أن يوسع مساحة الاطمئنان في نفوس المخاطبين الذين فزعوا [5] . فهذا الأثر الذي يحاول القائل إحداثه لدى مستمعه جاء ليحقق الاستجابة عند المخاطبين فيحصل الاطمئنان.

ومما خرج إليه التوكيد اللفظي بالجملة الفعلية التهويل: والمقصود به المبالغة والتفخيم في شأن من الشؤون [6] . ومن ذلك:

قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"يضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ولا يتكلم يومئذٍ أحد إلا الرسل وكلام الرسل يومئذٍ:"اللهم سلم سلم" [7] ."

لقد وصف النبي الكريم، يوم القيامة، بما فيه من شدة وفظاعة، ولشدة هذا الهول والرعب لا يتكلم أحد إلا الرسل إذ يقولون ويكررون (اللهم سلم سلم) وفي ذلك دلالة على شدة

(1) إشكالية التلقي عند حازم القرطاجني في كتاب منهاج البلغاء، محمود درابسة، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، المجلد الثاني عشر، العدد الثاني، 1997، ص: 485.

(2) الكرماني بشرح صحيح البخاري: 5/ 49.

(3) صحيح البخاري: 2/ 154.

(4) إرشاد الساري: 5/ 98.

(5) التشبيه في الحديث الشريف، دراسة في متن صحيح البخاري؛ سعد عبد الرحيم أحمد، رسالة ماجستير، بإشراف د. هناء محمود شهاب، جامعة الموصل، كلية التربية، 1998، ص: 49.

(6) من بلاغة النظم العربي: 2/ 111.

(7) صحيح البخاري: 1/ 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت