الصفحة 80 من 106

أما في الحديث الثاني، فنجد النبي الكريم استبطأ يوم السيدة عائشة (رضي الله عنها) عندما كان في مرضه الذي قبض فيه، فجاء هذا التأكيد ليلفت انتباه السامعين وتعريفهم بهذا الأمر.

فالتوكيد اللفظي تشكيل مكاني لمفردات متشابهة. تظهر على سطح البنية اللغوية مكونة أسلوبًا خاصًا في السياق تؤول بحركة معناه الداخلية إلى دلالات خاصة تشكل الجانب

الدلالي، فدراسة الجانب الأول غاية في الأهمية وإن كان الجانب شكليًا في الصياغة، لأنه دون دراسته وتحديد ملامحه تصبح دراسة الظاهرة التكرارية غير مكتملة لما بين هذا الجانب والجانب الدلالي من علاقات وطيدة، لأن كلًا منهما يترتب تشكيله على الآخر [1] .

ثانيًا: الجانب الدلالي للتوكيد اللفظي:

فهو الغاية من الدراسة، ولعل درجة المشاركة والتفاعل بين المخاطب والنص تتحدد على وفق مدى فهم المخاطب دلالات النص، فالجانب الدلالي يشمل:

المعاني التي يؤديها التوكيد اللفظي، وما تثيره في المخاطب من استجابة، ومن ذلك:

قوله - صلى الله عليه وسلم:"والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قيل ومن يا رسول الله؟ قال الذي لا يأمن جاره بوايقه" [2] .

وعن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول في ظل الكعبة:"هم الأخسرون ورب الكعبة هم الأخسرون ورب الكعبة، قلت ما شأني؟ أيرى في شيء؟ ما شأني؟ فجلست إليه وهو يقول فما استطعت أن أسكت وتغشاني ما شاء الله، فقلت من هم بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: الأكثرون أموالًا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا" [3] .

لقد استطاع النبي الكريم، في الحديث الأول، من خلال عبارة (والله لا يؤمن) أن يخلق الشوق عند المخاطبين لمعرفة سر هذه العبارة المتكررة، ومن هنا تشوقت النفوس للسؤال، وتهيأت الأذهان لاستقبال الجواب، وهو الترهب من إيذاء الجار، فنلحظ قيمتها البلاغية تكمن فيما تثيره من التشويق الذي تثيره هذه الظاهرة في النفس. وإنما تكون هذه الظاهرة قادرة على إثارة

(1) التكوين التكراري في شعر جميل بن معمر، د. فايز عارف القرعان، مجلة مؤتة، المجلد

الحادي عشر، العدد السادس، 1996، ص: 80.

(2) صحيح البخاري: 4/ 53.

(3) المصدر نفسه: 4/ 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت