وقال (ألا وقول الزور وشهادة الزور) فبدأ الانفعال يبدو عليه واشتد [1] . فما زال يكررها ـ تفظيعًا وتنفيرًا عنها، لأنها عدلت بالإشراك بالله ـ حتى قال بعض الصحابة ليته سكت؛ رأفة بحاله [2] .
وهكذا يتبين لنا أن للجانب الدلالي تأثيرًا في المخاطب والمتكلم، ويتمركز هذا التأثير حول حقيقة في غاية الأهمية، وهي دلالة اللفظ على المعنى المراد نقله، والذي يتم عبر وسائل أسلوبية مختلفة.
ثالثًا: الجانب الإيقاعي للتوكيد اللفظي، وما يثيره من انفعالات ودلالات إيحائية في النص. ومن ذلك:
وأن النبي الكريم ارتجز بشعر عبد الله بن رواحة عندما كان ينقل التراب من الخندق وهو يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فانزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام ان لا قينا
إن الالى قد بغوا علينا [3] ... إذا أرادوا فتنة أبينا
ورفع بها صوته أبينا أبينا [4]
في هذا النص، فقد أكد النبي الكريم لفظة (أبينا) إذ كان يبغي من وراء هذا التوكيد تحريك همة صحابته لإنجاز حفر الخندق وعلى وجه السرعة، فنلحظ أن هذا التوكيد تميز بإيقاعه إذ أدى دوره في رفع المعنويات. فإن الإيقاع يلائم بين الكلمة والمعنى، ولعل مثل هذا التلاحم بين الإيقاع والمعنى يؤدي إلى الكشف الحقيقي عن الهدف الذي يسعى إليه المتكلم، ذلك أن المفردات التي تخلق الإيقاع تؤول في أعماق البنية إلى حركة معنى عميق، فالكلمة عندئذ لا تعود صوتًا أو مادة، ينسكب الإيقاع فيها، بل تصبح فكرة وعلاقة، إنها تحتوي في ذاتها. على الإيقاع والفعل، فالدور الإيقاعي الذي تؤديه الكلمات المكررة ضمن السياق ينتهي عادة،
(1) أخذ هذا المعنى من ظاهر الحديث.
(2) التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول: 3/ 64؛ ينظر، الكبائر، محمد ابن احمد الذهبي: 87؛ ينظر، نيل المرام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام، محمد بن ياسين: 181.
(3) من الرجز المقطوع ولكن الشطر مختل الوزن ولا يستقيم إلا بـ"قد اعتدوا".
(4) صحيح البخاري: 3/ 32.