قد تخرج ألفاظ التوكيد اللفظي عن معانيها الأصلية لمعان وأغراض بلاغية، تستفاد من سياق النص وقرائن الأحوال، وجو النص ونفسيته، فإذا استعملت ألفاظ التوكيد اللفظي في غير معانيها الأصيلة فإنها تعطي الكلام حيوية، وتزيد في الإقناع والتأثير، وذلك لما في هذا الاستعمال من إثارة للسامع، وجذب لانتباهه [1] .
فمن السياق نستطيع أن نصل إلى الأغراض البلاغية. لأن السياق هو الذي يعطي الدلالات، كما يعطي الشكل التركيبي للعبارة، بحيث يكون هناك تفاعل أكيد بينهما، وكلما أتيح لنا ـ بدقة ـ رصد السياقات استطعنا تفهم الكثير من العلاقات التركيبية والأغراض البلاغية بين أجزاء الكلام [2] .
إن التوكيد اللفظي بالاسم يكون بتكراره مرتين أو ثلاث مراتٍ. وهذا التكرار يخرج إلى أغراض بلاغية، فعندما تكرر لفظة من الألفاظ يبغى من وراء ذلك مقصدًا ومؤدىً بلاغيًا، ومن هذه الأغراض: تمكين المعنى في النفس [3] . إن هذا الغرض من أهم الأغراض وأكثرها شيوعًا في الصحيح إذ شكل مساحة واسعة في بنية التكرار بالاسم، ومن ذلك:
قول النبي الكريم"إن الله حبس عن مكة القتلى ... . وسلط عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ألا وإنها لم تحل بأحدٍ قبلي ولم تحل لأحدٍ بعدي ألا وإنها حلت لي ساعةً من نهارٍ وألا وإنها ساعتي هذه حرام لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها ولا يلتقط ساقطها إلا لمنشد، فمن قتل فهو بخير النظرين إما أن يعقل وإما أن يقاد أهل القتيل فجاء رجل [4] من أهل اليمن فقال أكتب لي يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال اكتبوا لأبي فلانٍ. فقال رجل من قريش إلا الإ ذْخِرَ"
يا رسول الله فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إلاَّ الإ ذْخِرَ إلاَّ الإ ذْخِرَ" [5] .
وقوله - صلى الله عليه وسلم:"لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل القتل حتى يكثر فيكم المال فيفيض" [6] .
(1) من بلاغة النظم العربي، د. عبد العزيز عبد المعطي عرفه: 102 ـ 103.
(2) ظواهر أسلوبية في كتاب جوهر الكنز لابن الأثير الحلبي: 194.
(3) علم المعاني، د. قصي سالم علوان: 178.
(4) هو العباس بن عبد المطلب (رضي الله عنه) . ينظر، فتح الباري: 1/ 217.
(5) صحيح البخاري: 1/ 32.
(6) المصدر نفسه: 1/ 183.