أن يؤدي دوره المطلوب في التأثير وإثارة الانفعال اللازم لاتخاذ الموقف المناسب" [1] . وفي ضوء ما سبق نلحظ أن النبي الكريم بعد أن انفعل، ولفت انتباه المخاطب وجعله متيقظًا لما سيقول، جاء بتوكيد لفظي آخر يقرر نوع هذا البيع، بقوله - صلى الله عليه وسلم - (عين الربا عين الربا) . أي ذاته ونفسه ربا [2] . فلم يصرح النبي الكريم عن حكم هذا البيع، لأن حكمه معروف في القرآن الكريم. (وأحل الله البيع وحرم الربا) [3] . فكان المخاطب يجهل حرمة هذا البيع. فبعد أن تنبه وتقرر البيع في ذهن المخاطب، جاء التوجيه والإرشاد النبوي ليرشد المخاطب والصحابة على البيع الحلال."لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتره" [4] . فنلحظ تماسك النص بعد أن نبه النبي الكريم ثم انتقل إلى المقصد الذي يريد نقله إلى المخاطب، دون أن يحدث فجوةً بين غرض وآخر في النص، فمن هذا التدرج والانتقال من غرض إلى آخر، شد المخاطب إلى النص وجعله متأثرًا به، وهناك أيضًا ميزة فنية أخرى نلحظها من خلال هذا الحديث، وهي جودة الاستهلال والبراعة فيه، إذ جعل التنبيه في مطلع الحديث حتى يلفت انتباه المتلقي. فالعناية بمطلع النص لها تأثير بالانطباع الأولي للنفس إذ يكون أقوى تأثيرًا واكثر فعاليةً من غيره، فتتفاعل النفس معه، وبهذا يكون عاملًا مهمًا في إثارة الاستجابة المناسبة [5] وإحداثها."
لقد أخبر النبي الكريم، في الحديث الثاني، عن أكبر الكبائر. وذكر الإشراك بالله وعقوق الوالدين ولكن هذه الكبائر ليست كل المقصود ولا أهم المقصود لظهورها، وإنما جعلت كالتمهيد، إذ كان النبي الكريم متكئًا فجلس، فهذا الانتقال المفاجئ من حال الاتكاء إلى حال الجلوس، لا ليكون ترويحًا من وضعه الأول، ولكن ليكون نذيرًا بأن شيئًا خطيرًا سيحدث، عبارة قصيرة تتبع هذه الانتفاضة، ألا وقول الزور وشهادة الزور [6] . فاستخدم النبي الكريم (ألا) للتنبيه ليلفت انتباه المخاطبين إلى ما سيقول من كلام في غاية الأهمية من هذه الكبيرة، فضلًا عن أن هذا التعبير يصور لنا أن النبي الكريم كان حاله هادئًا عندما كان يذكر ـ الإشراك بالله وعقوق الوالدين ـ ولكن عندما انتقل من الاتكاء إلى الجلوس
(1) الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية: 76.
(2) النهاية في غريب الحديث والأثر: 3/ 164.
(3) سورة البقرة؛ الآية: 275.
(4) صحيح البخاري: 2/ 44.
(5) الأسس النفسية الأساليب البلاغة العربية: 91.
(6) أساليب الطلب في الحديث الشريف: 199.