نظرة مقاصدية للموضوع:
والآن يمكن أن ننظر لموضوع حكم الجماعة في العصر الحاضر من خلال مقاصد الشريعة، فمن المعروف أن القصد الأول للشريعة هو حفظ الدين، وهذا المقصد لا يتحقق إلا بالجماعة، فهي التي تعلي شأن الدين وترفع رايته، وتدعو إليه، وتدافع عنه، وتحمي بيضته، وبالأصل لا يتحقق الدين على أرض الواقع إلا بالجماعة، وتأسيسا على هذه الحقيقة فإن إيجاد الجماعة المسلمة يكون مقصدا أوليا مرتبطا بالمحافظة على الدين وبالمحافظة على المسلم من أن يتعرض للفتنة والزيغ بتوضيح الحق له ورعايته، والمنافحة عنه بكل الوسائل المتاحة في ذلك الوقت.
وكذلك المقاصد الأخرى للشريعة التي هي حفظ للنفس، وحفظ العقل والمال والنسل.
لا بد لها من الجماعة التي ترعاها وتقوم بها وتحافظ عليها، وهناك جوانب أصلا في هذه المقاصد لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال وجود الجماعة من مثل: كسب المال الحلال من الطرق الشرعية التي أحلها الشرع والابتعاد عن المال الحرام الذي يأتي من طرق حرمها الشرع، فلا بد من التعاون على البر والتقوى لأجل تحقيق مثل هذا الهدف، وكذلك للمحافظة على النسل لا بد من الجماعة التي تقوم بشأن الأسرة، وتأخذ بأحكام النكاح الشرعي، وتعين الناس على إقامته، وتبتعد بالناس عن الزنا والسفاح والوقوع في مهاوي الشهوات، وكذلك المحافظة على دم المسلم ورعايته وصونه من أن يتعرض للقتل أو الهلاك.
وقس على ذلك كثيرا من المقاصد المرتبطة بالمقاصد الكبرى الأولية، وكلها تؤكد ضرورة وجود الجماعة والانتساب إليها من أجل إقامة الدين بكلياته إن لم يكن بجزئياته.
ويمكن أن ننظر للموضوع من زاوية المكلف، فإن كونه محاطا بجماعة، يمكن أن تكسبه علما شرعيا، وتبصره بالواقع المحيط به، وتساعده في رفع الحيف والظلم عنه، وتقوده إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة.