الصفحة 8 من 94

الثاني:

أن الانتماء إلى جماعة يحتاج إلى نوع معين من الأخلاق، منها الإيثار والتضحية والغيرية، إيثار الآخرين وتقديمهم على الذات، والتضحية بكثير من الملذات الفردية في سبيل مصلحة الجماعة، والغيرية التي يقبل بها الفرد الآخرين ويبني معهم.

ومن هنا كان الأمر من الله للرسول صلى الله عليه وسلم:"واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي" (الكهف، 28) له دلالة رئيسية وهي: أن اللقاء مع الآخرين متعب وفيه مشقة ويحتاج أن يصبر المرء نفسه عليه.

والحقيقة أن ضعف هذه الأخلاق الجماعية في الشخصية الإسلامية ناتج من ترسخ أخلاق مضادة نتيجة ضعف عام في الشخصية الإسلامية، وقد جاءت هذه االأخلاق المضادة من المنهجية الصوفية التي تقوم على الفردية والعزلة وعدم الاهتمام بالآخرين، وبترك أمرهم لخالقهم، والحرص على النجاة الخاصة دون الالتفات إلى المجتمع.

الظاهرة الثالثة: موسمية ارتباط أهل السنة بالجماعات الإسلامية:-

برزت في العصر الحديث ظاهرة تجمع مسلمي أهل السنة الواسع حول إحدى الجماعات المسلمة ثم الانقضاض عنها، وقد ظهر ذلك في الخمسينات حيث التفت جماهير واسعة في مصر حول حركة الإخوان، بعد اشتراكها في حرب فلسطين عام 1948 وفي مقاتلة الانكليز في قناة السويس عام 1950، لكن سرعان ما انفضت هذه الجماهير عنها بعد اصطدامها مع عبد الناصر عام 1954، مما دعا سيد قطب - رحمه الله - إلى التساؤل عن الناس الذين تخلوا عن العصبة المؤمنة، وتركوها لطاغية يبطش بها وهم يتفرجون:"هل هؤلاء مسلمون حقا؟"كما دعت قياديا آخر في قيادة الإخوان المسلمين ليعبر عن ألمه وتعليله لانفضاض الناس عن الحركة بقوله:-

"إن الناس الذين دخلوا إلى الجماعة من باب تحيا مصر، خرجوا من باب تحيا مصر" [1] ، ولم تقف تلك الظاهرة عند مصر بل تعدتها إلى أقطار أخرى ومنها سورية، فعندما قادت الطليعة والأحزاب الإسلامية الثورة في مواجهة النظام النصيري في عام 1979

(1) تحيا مصر: هو الشعار الذي كانت تردده الجماهير والأحزاب في مصر بعد بروز الوطنية المصرية في النصف الأول من القرن العشرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت