شجاعته وعدم مبالاته بما سيحدث إذ أنه يركز بفعل الجانب العاطفي والوجداني لديه على عدم الخرق للوصية. أما الاثنان الآخران فقد استجابا لنداء عقلهما فكانا دومًا يسخران وينتقدان المجال التنفيذي لدى الأخ الأصغر. ولما كان دومًا هذا الأخير قد جعل من نفسه محققًا لفحوى الوصية. فلا بد أن تنفرز لنا وحدة أخرى تتمثل بمجال التنفيذ ومن ثم المواجهة.
4 -المجال التنفيذي / المواجهة: إذ سيتعرض الابن الصغر لثلاث مواجهات في المقبرة وهو يحرس قبر أبيه، وهذه الوحدة ستكون مضطرة للاستعانة بالمبدأ الخرافي حيث سيواجه الابن الأصغر ثلاثة أشباح كل واحد منهم له لون معين. فالأول اقترن باللون الأبيض والثاني بالأسود والثالث بالأحمر. وما من شكٍّ ان لهذه الألوان الثلاثة وحدات مفهومية يختلف الواحد منها عن الآخر على الرغم من أن الوحدة الدلالية التي تجمعها تتمثل باللون وهذا اللون لا يرتبط فقط بشكلهما وإنما ينسحب على مسائل ذات تأثير مضموني. فالأول يمكن أن نصفه بأنه (ملك) أو لنقل (مَلَكْ) ، والثاني يمكن أن نصفه بأنه (شيطان) أو أي حيوان مفترس يداهم فريسته أثناء الليل، وهنا يكون معاونًا للمَلِكِ في تسيير شؤونه، أما الثالث فيتمثل (بالضحية) فهو هنا المجال الأخير الناطق باسم المَلِك والذي يقع عليه عبأ التنفيذ، لذا أشير إليه باللون (الأحمر) .
تسحبنا هذه الوحدة إلى المجال الختامي لمبدأ المواجهة حيث ينتهي لصالح الابن الأصغر الذي قضى على الأشباح الثلاثة بضربة سيف ماحقة، وسنطالع أيضًا اقتران اسم الشبح بالخيال والفارس وكأن الأمر لا يجسد عيانًا وإنما حُلُمًا، ولكن كلمة (الفارس) مهمة في هذا السياق، إذ تكون مُكافِأة لمقدرة الأصغر الذي سيكون هو الآخر عند فراغه من مشروع المواجهة مهيأً للدخول في ميدان آخر على المستوى الواقعي يحقق من خلاله طموحاته الإمكانية بعد أن حقق طموحاته الحُلُميّة. ولكن المشكل في هذه الوحدة أننا نتبين بأن الأب كان ظالمًا وصالحًا وهذا يخالف ما ذكرناه آنفًا من صلاحه وتقواه، إذ أن الأشباح الثلاثة تؤكد على مسألة ظلمه عبر النصوص الآتية:-
يقول الشبح الأبيض"إن أباك هذا، قد ظلمنا في يوم كذا، وأنا أريد أن أخذ ثأري منه الآن. فحمل عليه محمد وهو يقول:"
-أيها الجبان الرعديد، بعد أن يموت تريد أن تقتص ممن ظلمك، وأشتبك معه في قتال، وضربه بالسيف ألقت برأسه في جهة وجثته في الجهة الثانية، فأنزعه ثيابه وسلاحه وحملها عند الفجر مع الحصان إلى بيته، وأخفاها عن أعين أخويه" [1] ."
(1) حكايات الموصل الشعبية: 103.