الصفحة 128 من 164

مبالاته بأرواح الناس، يأخذ البريء بالمجرم وكان في حكمه مطلق التصرف لا يقيم وزنًا لعُرفٍ ولا لدينٍ ولا لأخلاق" [1] ."

وبدهيٌّ أن يقال أن الراوي يتقصد من مقدمته هذه الخاصة بالاستهلال أن يشايع نمطية الفكر الشعبي في تلقي الحكايات، لذا فإنه يخفي مصدر الحكاية الأول، كي تكون غائصة في الماضي السحيق، بمعنى آخر تجهيل الزمكان فيه ومصدر التلقي، والسارد الأول، إذ أن هذه الأمور لا تخدمه في مسألة الالتزام بقواعد السرد التي لا تسمح له بالتجاوز والمبالغة والتمطيط، ولكنه عبر التجهيل يسمح لنفسه بالتدخل في المبنى الحكائي. ونجد الراوي لا يكتفي فقط بالتجهيل الخاص بالمكونات الرئيسية في الحكاية وإنما يجهل مكان الملك (قره قوس) ويركز فقط على المستوى المعرفي والفعلي له، وهو يقف موقفًا متعارضًا من هذا الملك الظالم وهذه المسألة يتم الكشف عنها من خلال تقويمه السالب له، وهو في فعله هذا يتعاطف مع المتلقين ويرغب أن يكرسَ في ذاتهم ذلك الاحساس العميق بكرهه ورفضه في كل مرة يستمعون إليه، وهذا يؤدي الى نتيجة مفادها أن الراوي متزامن أو متظامن مع الموقف العميق لدى القراء، بل إنه يعبر عن رغبته، وسيكون موقفه هذا هو موقف (المؤلف الضمني) ذاته، الذي يحرك وعي الراوي بهذا الاتجاه، ويكشف عن أيديولوجيته الظالمة للرفض والجور والفوضى والاستبداد، وهذه المسألة ليست تقويمية فحسب ومتعلقة (بالفعل الاقناعي) ، بل أنها تطال الفعل التأويلي كذلك. وعلى هذا تكون (المصداقية) الخاصة بمقال الراوي معبرٌ عنها بالطريقة الآتية:-

-العلاقة الحالية (الراوي/المؤلف الضمني) : (باطن + ظاهر) = مستوى الصدق في الخطاب.

وهذه المعادلة الخاصة بمستوى المصداقية المعنى والتبعة للراوي سوف تنسحب على معظم مقولات الراوي في مفاصل الحكاية برمتها، انطلاقًا من مقولة منطقية أنْ (تقويم الكلّ سلبًا أم إيجابيًا هو بدهيًا ينسحب على الأجزاء) . فمقولة الراوي تجاه الملك (قره قوش) من حيث الخطاب إيجابية، ولكنها من حيث التقويم سلبيةً. وهكذا هو الحال مع العلاقة التي يقيمها الراوي مع (الحائك) حيث يقف منه موقفًا إيجابيًا ومن (قره قوش) موقفًا سلبيًا.

وكما هو واضح من هذا النص:

"وفي أحد الأيام، كان يوجد في مملكته حائك يسدي غزله في جانب الطريق، فمرَّ رجل فزلقت رِجْلَهُ وسقط مكوك الحائك فانفقأت عينه به قضاءً وقدرًا، فذهب المصاب ورفع ظلمه إلى الملك (قره قوش) طالبًا منه معاقبة الحائك على أصول الشريعة الغراء أي عينًا بعين،"

(1) حكايات الموصل الشعبية: 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت