الصفحة 149 من 164

(الإدانة / التعاطف) لحظة اختبارية تأملية لواقع موشك على أن يتهاوى، ولكن هذه الصورة لا تعرض لنا لتؤثر فينا نفسيًا وتثير اشمئزازنا وتحرك موقفنا بشكل يبعث على القوة، ولكنها فقط تريد أن تشركنا كطرف مستمع يتسلى بما يقرأ ويحاول أن يشارك في عملية التصحيح الخاصة بالمرجع. هذا الأخير كان واضحًا لدرجة كبيرة، ولكنه تكيف بطريقة أو بأخرى. من خلال ما ذكرنا بخصوص مراحل التشكيل الحكائي نقول تكيّف المرجع كي يجعلنا قادرين على تلقيه وعلى وفق الطريقة المعتادة في تلقي الحكايات الشعبية، وهي طريقة مشابهة لعملية السرد في حكايات الف ليلة وليلة، حيث يكون (شهريار) مستمعًا و (شهرزاد) هي الحاكية، دون أن يمنعه هذا من التدخل إن لزم الأمر، وكذلك فعل الراوي في هذه الحكايات موضوع الدراسة، حيث قال في نهاية الحكايات:

"قال الراوي: وكان حارس الباب (القلغجي) جالسًا يتسمع إلى هذه الحكايات وإلى الشتائم وهي تنثال عليه من أفواه النسوة ولم يحرك ساكنًا، حتى أزف موعد افتتاح الباب بنهاية الحكاية الاخيرة فقال اليهنّ وقال لهنّ:"

-روحوا الله يستر عليكن، يا هاكذا غشم، يا ما يلزم، تفعلنّ هذا بأزواجكن ولا تردنّ أن يطلقكنَّ؟ وفوق كل هذا تدعون عليهم؟ وتدعون عليَّ سبع مرات بقطع الرأس ولم أفعل معكنّ شيئًا؟ والله لو كان أمري بيدي لقطعتُ ألسنتكنّ، اذهبنّ، الله يستر عليكنّ" [1] "

نجد بأن خطاب الراوي يتضمن موقف البواب من النسوة هذا الموقف الذي تم تغييبه أثناء سرد الحكايات، وعلى الرغم من سيل الشتائم الموجهة للبواب، وكان من المفروض أن يكون حافزًا له للتدخل في كل حكاية تسرد، لكنه أجل تدخله الى النهاية، والسبب في ذلك هو تجنب التكرار أولا، والآخر هو معرفة البواب بالمجال العقلي للنسوة، بوصفه يمثل السلطة، وكما هو معروف أن السلطة لا تقيّم الأشياء بشكل جزئي وإنما بشكل عام، ولهذا جاءت كلمات البواب في النهاية تحمل نبرة خطابية موحية بالعقاب الفادح لو أتيح له الأمر على المستوى التنفيذي. وقد جاء سِباب البواب من قبل النسوة في الحكايات متضامنًا مع المثل:"ائتمني الماي بالغوبيل ولا تأتمني الغجيل، قطعوا غاسو وغاس البواب" [2] .

وما من شك أن هناك تقاربًا دلاليًا بين المَثل وما هو موجه إلى البواب من شتائم ذات نبرة قاطعة ومؤثرة وكأنّ النسوة يمزجنّ مستوى الموقف إدانة البواب والرجل كليهما، فكما أن الأول لا يؤتمن فكذلك الثاني، انطلاقًا من أنه يمثل تقاربًا جنسيًا، وبوصفهما أيضًا يشتملان على المنحى القمعي، فكلاهما يمثل السلطة، هذا يمثلها في بيته وذاك يمثلها في مجتمعه.

(1) حكايات الموصل الشعبية: 25.

(2) م. ن: 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت