أصحاب الحق في الظاهر إلا بعد أن يستعلوا بالحق في الباطن .. إن للحق والإيمان حقيقة متى تجسمت في المشاعر أخذت طريقها فاستعلنت ليراها الناس في صورتها الواقعية. فأما إذا ظل الإيمان مظهرا لم يتجسم في القلب،والحق شعارا لا ينبع من الضمير،فإن الطغيان والباطل قد يغلبان،لأنهما يملكان قوة مادية حقيقية لا مقابل لها ولا كفاء في مظهر الحق والإيمان .. [1]
إن هذا لهو النصر العظيم الثبات على المبدأ حتى الممات.
ويتجلى النصر أيضًا بقصة خبيب رضي الله عنه عندما كان مصلوبًا بين أيدي كفار قريش وليس بينه وبين الموت إلا لحظات حيث قَالَ خُبَيْبٌ وَهُمْ يَرْفَعُونَهُ عَلَى الْخَشَبَةِ:اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا،وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا،وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا . وَقَتَلَ خُبَيْبًا أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ،فَلَمَّا وَضَعُوا فِيهِ السِّلَاحَ وَهُوَ مَصْلُوبٌ نَادَوْهُ وَنَاشَدُوهُ:أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا مَكَانَكَ،فَقَالَ:لَا وَاللَّهِ الْعَظِيمِ،مَا أُحِبُّ أَنْ يَفْدِيَنِي بِشَوْكَةٍ يُشَاكُهَا فِي قَدَمِهِ . فَضَحِكُوا،وَقَالَ خُبَيْبٌ حِينَ رَفَعُوهُ إِلَى الْخَشَبَةِ:
لَقَدْ جَمَعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلَّبُوا... قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلَّ مَجْمَعِ
وَقَدْ جَمَعُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنَّعِ
إِلَى اللَّهِ أَشْكُو غُرْبَتِي ثُمَّ كُرْبَتِي وَمَا أَرْصَدَ الْأَحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2343)