قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان ، قالا: أخبرنا همام ، عن قتادة ، عن صفوان بن محرز ، قال:كنت آخذا بيد ابن عمر ، إذ عرض له رجل ، فقال: كيف سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول: «إن اللّه يدني المؤمن ، فيضع عليه كنفه ، ويستره من الناس ، ويقرره بذنوبه ، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ، ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ، ألا لعنة اللّه على الظالمين» «1» .
ثم ينفرهم من التناجي والمسارة والتدسس بالقول في خفية عن الجماعة المسلمة ، التي هم منها ، ومصلحتهم مصلحتها ، وينبغي ألا يشعروا بالانفصال عنها في شأن من الشئون. فيقول لهم: إن رؤية المسلمين للوسوسة والهمس والانعزال بالحديث تبث في قلوبهم الحزن والتوجس ، وتخلق جوا من عدم الثقة وأن الشيطان يغري المتناجين ليحزنوا نفوس إخوانهم ويدخلوا إليها الوساوس والهموم. ويطمئن المؤمنين بأن الشيطان لن يبلغ فيهم ما يريد: «إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ، وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا - إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ - وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» ..
فالمؤمنون لا يتوكلون إلا على اللّه. فليس وراء ذلك توكل ، وليس من دون اللّه من يتوكل عليه المؤمنون! وقد وردت الأحاديث النبوية الكريمة بالنهي عن التناجي في الحالات التي توقع الريبة وتزعزع الثقة وتبعث التوجس: جاء في الصحيحين من حديث الأعمش - بإسناده - عن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - قال: قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم -: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه» . وهو أدب رفيع ، كما أنه تحفظ حكيم لإبعاد كل الريب والشكوك. فأما حيث تكون هناك مصلحة في كتمان سر ، أو ستر عورة ، في شأن عام او خاص ، فلا مانع من التشاور في سر وتكتم. وهذا يكون عادة بين القادة المسئولين عن الجماعة. ولا يجوز أن