ورابعا: قوله تعالى في هذه الآية أيضا: « فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ » يشير إلى أن الذين لم يفعلوا ، أي لم يستطيعوا تقديم الصدقة ـ لا ضنّا بها ، ولكن عجزا عنها ـ هؤلاء قد تاب اللّه عليهم ، أي رحمهم ، ورفع عنهم الحرج ، وأفسح لهم الطريق إلى مناجاة النبي من غير تقديم الصدقة التي عجزوا عنها.
فالتوبة هنا ، معناها الرحمة ، والقبول ، والرضا ، فهي توبة من اللّه سبحانه وتعالى عليهم ، أي عود عليهم منه سبحانه وتعالى بفضله ورحمته. ومثل هذه التوبة ما جاء في قوله تعالى: « لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ » (117: التوبة) فالتوبة هنا توبة رضى وإحسان.
أما التوبة من العبد ، فهي رجوع إلى اللّه بالندم ، والانخلاع من المعصية ..
وقوله تعالى « وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ » جملة حالية من الفاعل في قوله تعالى: « فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا » أي إذ لم تقدموا الصدقة في حال قد قبلكم اللّه عليها ، ورحمكم فيها.
وقوله تعالى « فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ » ـ هو جواب « إذ » التي تفيد مع الظرف معنى الشرط .. أي فإذ قد رحمكم اللّه ، وعاد بفضله عليكم ، ورفع عنكم الحرج في لقاء النبي من غير تقديم صدقة ـ فأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وأطيعوا اللّه ورسوله ، فذلك هو شكركم للّه سبحانه وتعالى على ما فضل به عليكم ..ففي إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وطاعة اللّه ورسوله ، ما يقربكم من الرسول ، ويقيمكم أبدا على طهارة دائمة ، أشبه بمن يمدّ يده بصدقات لا تنقطع أبدا ..وعلى هذا فإنه ليس بين الآيتين تناسخ ، بل إن كلا الآيتين من المحكم ، وأنهما يتناولان أمرا واحدا ، ويعالجان قضية واحدة ، لا تتم أركانها إلا بالآيتين معا .. واللّه أعلم." [1] "
ــــــــــــ
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (14 / 834)