إنك لتستشعر لتلك الكلمات حرارة هذا الدعاء الذي يدعو به الرسول ربّه ، إلى هداية قومه ، وإلى إنقاذهم مما هم فيه .. إنها رحمات يستمطرها الرسول ـ صلوات اللّه ورحمته وبركاته عليه ـ من السماء ، لتلين هذه القلوب القاسية ، ولتبصر هذه العيون العمى!.
وإنك لتجد في كلمة « قَوْمِي » من الحنو الممزوج بالحسرة والألم ، ما تجده في قول نوح: « رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي! » .. إن هذا من ذاك ، سواء بسواء! وفى قوله تعالى: « هذَا الْقُرْآنَ » .. إشارة إلى أن هذا الخير الذي يتجنبه القوم ، بل ويرمونه بالفحش من القول ، والهجر من الكلام ، وهو اليد البرّة الرحيمة ، الودود .. فما أبعد ما بين القوم ، وبين هذا القرآن! إنه يحسن ويسيئون ، ويتودد إليهم ويحزنون ؟ ؟ ؟ ؟ ، ويروّض ويجمحون ، ويسمع ولا يسمعون! وفى قوله تعالى: « مَهْجُورًا » .. بيان جامع لموقف المشركين من القرآن.
وهو أنهم اتخذوه ، كما يتخذون الأماكن المهجورة ، يلقون فيها بالنفايات ، والقاذورات .. فإن ما يخرج من ألسنتهم في شأن هذا القرآن ، هو من ساقط القول ، وسخف الكلام ، وهجر الحديث!" [1] "
"لقد هجروا القرآن الذي نزله اللّه على عبده لينذرهم. ويبصرهم. هجروه فلم يفتحوا له أسماعهم إذ كانوا يتقون أن يجتذبهم فلا يملكون لقلوبهم عنه ردا. وهجروه فلم يتدبروه ليدركوا الحق من خلاله ، ويجدوا الهدي على نوره. وهجروه فلم يجعلوه دستور حياتهم ، وقد جاء ليكون منهاج حياة يقودها إلى أقوم طريق: «وَقالَ الرَّسُولُ: يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا» ..وإن ربه ليعلم ولكنه دعاء البث والإنابة ، يشهد به ربه على أنه لم يأل جهدا ، ولكن قومه لم يستمعوا لهذا القرآن ولم يتدبروه."
فيسليه ربه ويعزيه. فتلك هي السنة الجارية قبله في جميع الرسالات. فلكل نبي أعداء يهجرون الهدى الذي يجيئهم به ، ويصدون عن سبيل اللّه. ولكن اللّه يهدي رسله إلى طريق النصر على أعدائهم المجرمين: «وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ. وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا» ..
(1) -التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (10 / 14)