قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَبَّهُ ، وَلَكِنْ رَأَى نُورًا عُلْوِيًّا مِنَ الأَنْوَارِ الْمَخْلُوقَةِ. [1]
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: ] ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جِبْرِيلَ فِي حُلَّةٍ مِنْ يَاقُوتٍ ، قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: قَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ أَنْ يُعَلِّمَ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - مَا يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَهُ كَمَا قَالَ: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الأَعْلَى} [النجم: ] يُرِيدُ بِهِ جِبْرِيلَ {ثُمَّ دَنَا ، فَتَدَلَّى} [النجم: ] يُرِيدُ بِهِ جِبْرِيلَ {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: ] يُرِيدُ بِهِ جِبْرِيلَ {، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: ] بِجِبْرِيلَ {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: ] يُرِيدُ بِهِ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الشَّرِيفِ ، وَرَأَى جِبْرِيلَ فِي حُلَّةٍ مِنْ يَاقُوتٍ ، قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ عَلَى مَا فِي خَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. [2]
وعَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأَجْدَعِ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ ، تَقُولُ: أَعْظَمُ الْفِرْيَةِ عَلَى اللهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رَبَّهُ ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ ، قِيلَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَا رَآهُ ؟ قَالَتْ: لاَ ، إِنَّمَا ذَلِكَ جِبْرِيلُ رَآهُ مَرَّتَيْنِ فِي صُورَتِهِ: مَرَّةً مَلَأَ الْأُفُقَ ، وَمَرَّةً سَادًّا أُفُقَ السَّمَاءِ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: قَدْ يَتَوَهَّمُ مَنْ لَمْ يُحْكِمْ صِنَاعَةَ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ مُتَضَادَّانِ ، وَلَيْسَا كَذَلِكَ ، إِذِ اللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ فَضَّلَ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ، حَتَّى كَانَ جِبْرِيلُ مِنْ رَبِّهِ أَدْنَى مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ ، وَمُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - يُعَلِّمُهُ جِبْرِيلُ حِينَئِذٍ ، فَرَآهُ - صلى الله عليه وسلم - بِقَلْبِهِ كَمَا شَاءَ. وَخَبَرُ عَائِشَةَ وَتَأْوِيلُهَا أَنَّهُ لاَ يُدْرِكُهُ ، تُرِيدُ بِهِ فِي النَّوْمِ وَلاَ فِي الْيَقَظَةِ ، وَقَوْلُهُ: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام: ] فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ، يُرَى فِي الْقِيَامَةِ وَلاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ إِذَا رَأَتْهُ ، لأَنَّ الإِدْرَاكَ هُوَ الإِحَاطَةُ ، وَالرُّؤْيَةُ هِيَ النَّظَرُ ، وَاللَّهُ يُرَى وَلاَ يُدْرَكُ كُنْهُهُ ، لأَنَّ الإِدْرَاكَ يَقَعُ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ ، وَالنَّظَرُ يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ رَبَّهُ.
(1) - صحيح ابن حبان - (1 / 254) (58) صحيح
(2) - صحيح ابن حبان - (1 / 255) (59) صحيح