بأنها خير أمة أخرجت للناس ـ ليس محدودا بزمن من أزمانها ، ولا مخصوصا بحال من أحوالها .. وإنما هو حكم عام مطلق ، يشمل الأمة الإسلامية كلها ، في كل أزمانها ، وفى جميع أحوالها ، من عهد النبوة إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها .. إنه حكم للأمة الإسلامية في ماضيها وحاضرها ، ومستقبلها. وإن تلقته في أول وجودها ، وفى ساعة مولدها .. « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » ! هذا هو حكم اللّه فيما أحاط به علمه ، وفيما قدّره لكل أمة من أجل ، ومن رزق!.
وفى قوله تعالى: « أُخْرِجَتْ » تنويه آخر بشأن هذه الأمة ، وأنها هى المولود الكامل ، الذي تمخضت عنه الإنسانية كلها .. ولن تلد مثله أبد الدهر!.
وفى قوله سبحانه: « أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » تنويه ثالث بتلك الأمة ، فإنها لم تخرج من الناس ، ولكنها « أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » وكأنها بهذا من معدن غير معدن الناس ، ومن عالم غير عالم الناس ، جاءتهم هكذا من عالم الغيب ، وأخرجت لهم من حيث لا يتوقعون .. من صحراء مجدبة قفر ، ومن مجتمع أمّى غارق في الجهالة! ، فقادت ركب الإنسانية ، وحررتها من قيود العبودية والظلم.
هذا هو مكاننا ـ أمة الإسلام ـ الذي ندبنا اللّه له ، وأحلّنا فيه ، وأقامنا عليه ..
وإنه لن يزحزحنا عن هذا المقام زمان ، ولن يحتله مكاننا أحد .. وإننا ـ أمة الإسلام ـ على أي حال كنّا ، وفى أسوأ وجود لنا ـ خير أمة أخرجت للناس!.
وإن ميزاننا مهما خفّ في هذه الحياة فهو أثقل من ميزان أية أمة ، وإن بدا في ظاهرها أنها أقوى قوة ، أو أكثر مالا ، وأعزّ نفرا!.
ذلك ما ينبغى أن نؤمن به إيمانا راسخا كإيماننا باللّه .. وإلا كنا مكذبين بآياته ، منكرين ، أو منتكرين لكتابه! إننا ـ أمة الإسلام ـ أشبه بالذهب ، بين المعادن الأخرى .. قيمته دائما فيه ، حتى ولو علا بريقه التراب ، وغبّر وجهه دخان الزمن .. إنه الذهب على أي حال.
فليكن ذلك شعورنا بأنفسنا ، وإيماننا بمكانتنا في هذه الحياة .. ثم ليكن منّا ما يقابل هذا الشعور ، وذلك الإيمان ، من جدّ ، ومن تحصيل لكل معانى الإنسانية الكريمة ، ومثلها