الناس إليه ، ودلّهم عليه ، ولو احتمل في سبيل ذلك الضرّ والأذى ، وعرض نفسه للتلف والهلاك ، شأن الطبيب الذي يرى وباء يفتك بالناس ، ويذروهم كما تذرو الرياح الهشيم .. إنه ـ والحال كذلك ـ ينسى نفسه ، ويدخل في معركة مع هذا الوباء ، غير حاسب حسابا لما قد يقع له من سوء ، ولو كان في ذلك ذهاب نفسه! هكذا هو موقف الأمة الإسلامية من الخير الذي ساقه اللّه إليها ، على يد الرسول الكريم ، مما تلقّى من بركات السماء ، ورحماتها. « تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ » كما جاءكم رسول اللّه يأمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر .. وفى هذا يقول اللّه تعالى « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ » .
وفى قوله تعالى: « تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ » قدّم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على الإيمان باللّه ، الذي هو مقدّم على كل عمل طيب ، حيث لا يطيب العمل ، ولا يقبل ، إلا مع الإيمان ..
فكيف يؤخر الإيمان هنا ، عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ؟
والجواب عن هذا من وجهين:
أولا: أن اللّه سبحانه وتعالى إذ وصف هذه الأمة هذا الوصف الكريم ، وحكم لها هذا الحكم القاطع اللازم ، لم يصفها هذا الوصف ولم يعطها هذا الحكم إلا وهى على الإيمان ، مجتمعة هى عليه ومشتملا هو عليها .. فهى ليست مطلق أمة ، وإنما هى أمة مسلمة ، تلك الأمة التي كانت استجابة من اللّه لدعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، إذ يقولان كما حكاه القرآن عنهما: « رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ » (138: البقرة) .
ثانيا: ذكر الإيمان باللّه هنا لم تكن داعيته وصف هذه الأمة بأنها مؤمنة باللّه ـ إذ كان إيمانها باللّه ، معروفا مقدرا من قبل ، وإنما داعية ذكره في القرآن أنه إيمان على صفة غير ما عليه إيمان المؤمنين من أهل الكتاب!.
والإيمان باللّه الذي عليه الأمة الإسلامية ، هو إيمان برىء من كل شائبة من شوائب الشرك ، وخلص من كل نزغة من نزغات الشك .. إنه إيمان مصفّى ، يرى فيه المؤمن