فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 332

التكافل الجاد العميق .. وبلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغا ، لولا أنه وقع ، لعد من أحلام الحالمين! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة ، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة! وهي قصة وقعت في هذه الأرض. ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان! [1]

"إن التعبير بكلمة «أُخْرِجَتْ» المبني لغير الفاعل ، تعبير يلفت النظر. وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة ، تخرج هذه الأمة إخراجا وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب ، ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا اللّه .. إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى ، لطيفة الدبيب. حركة تخرج على مسرح الوجود أمة. أمة ذات دور خاص. لها مقام خاص ، ولها حساب خاص: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» .."

وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة لتعرف حقيقتها وقيمتها ، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة ، ولتكون لها القيادة ، بما أنها هي خير أمة. واللّه يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض. ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية. إنما ينبغي دائما أن تعطي هذه الأمم مما لديها. وأن يكون لديها دائما ما تعطيه. ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح ، والتصور الصحيح ، والنظام الصحيح ، والخلق الصحيح ، والمعرفة الصحيحة ، والعلم الصحيح .. هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها ، وتحتمه عليها غاية وجودها.

واجبها أن تكون في الطليعة دائما ، وفي مركز القيادة دائما. ولهذا المركز تبعاته ، فهو لا يؤخذ ادعاء ، ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلا له .. وهي بتصورها الاعتقادي ، وبنظامها الاجتماعي أهل له. فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي ، وبعمارتها للأرض - قياما بحق الخلافة - أهلا له كذلك .. ومن هذا يتبين أن المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير ويدفعها إلى السبق في كل مجال .. لو أنها تتبعه وتلتزم به ، وتدرك مقتضياته وتكاليفه.

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 444)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت