الشَّهَادَةِ بِالقِسْطِ فَيَقُولُ: اعْدِلُوا لأنَّ العَدْلَ أَقْرَبُ لِتَقْوَى اللهِ ، وَأبْعَدُ عَنْ سَخْطِهِ ، وَاتَّقُوا سَخَطَ اللهِ وَعِقَابَهُ لأنَّهُ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا ، وَاحْذَرُوا أنْ يُجَازِيَكُمْ بِالعَدْلِ عَلَى تَرْكِكُمُ القِيَامَ بِالعَدْلِ [1] .
فكان يمتثل أمر الله عز وجل في كل شأن من شؤونه ، مع أصحابه وأعدائه ، آخذًا بالعدل مع الجميع. يعترض عليه القوم ويخطئ في حقه أناس ، فلا يتخلى عن العدل ، بل يعفو ويصفح ،فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ بَعَثَ عَلِىٌّ - رضى الله عنه - وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِى تُرْبَتِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ الْحَنْظَلِىُّ وَعُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِىُّ وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلاَثَةَ الْعَامِرِىُّ ثُمَّ أَحَدُ بَنِى كِلاَبٍ وَزَيْدُ الْخَيْرِ الطَّائِىُّ ثُمَّ أَحَدُ بَنِى نَبْهَانَ - قَالَ - فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ فَقَالُوا أَتُعْطِى صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَتَدَعُنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنِّى إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لأَتَأَلَّفَهُمْ » فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ نَاتِئُ الْجَبِينِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ. - قَالَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِنْ عَصَيْتُهُ أَيَأْمَنُنِى عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلاَ تَأْمَنُونِى » قَالَ ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِى قَتْلِهِ - يُرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ » . [2]
ويظهر هذا الخلق العظيم منه - صلى الله عليه وسلم - في أبهى صورة ، عندما يطلب ممن ظن أنه أخطأ في حقه ، أن يستوفي حقه ، بالقود منه ، فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْسِمُ شَيْئًا أَقْبَلَ رَجُلٌ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِعُرْجُونٍ كَانَ مَعَهُ فَجُرِحَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « تَعَالَ فَاسْتَقِدْ » . قَالَ قَدْ عَفَوْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. [3]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 678)
(2) - صحيح مسلم - (2499 ) - الصناديد: جمع صنديد وهو كل عظيم شريف رئيس متغلب = الضئضئ: النسل =الكث: الكثيف =الناتئ: المرتفع
(3) - مسند أحمد (11531) حسن لغيره
العرجون: العود الأصفر الذى فيه الشماريخ إذا يبس واعوج =استقد: اقتص =أكب: التزم