فإن الله قد أوجب على هذه الأمة موالاة أصحاب نبيه وندب من جاء بعدهم إلى الاستغفار لهم وسؤال الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم . فقال بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } (الحشر: 10) . وقال تعالى في حق قرابة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته: { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } (الشورى: 23) . جاء في تفسير الآية:"قل لمن اتبعك من المؤمنين لا أسألكم على ما جئتكم به أجرًا إلا أن تودوا قرابتي" [1] .
وعن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ « أَمَّا بَعْدُ أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِىَ رَسُولُ رَبِّى فَأُجِيبَ وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » . فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ « وَأَهْلُ بَيْتِى أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِى أَهْلِ بَيْتِى أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِى أَهْلِ بَيْتِى أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِى أَهْلِ بَيْتِى » . [2]
فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإحسان إلى أهل بيته وأن يعرف لهم قدرهم وحقهم ، لقربهم منه وشرفهم . كما أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه خيرًا ونهى عن سبّهم وتنقصهم فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِى ، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ » [3] .
وقد كان من أعظم أصول أهل السنَّة التي اجتمعت عليه كلمتهم محبةُ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقرابته وأزواجه وما كانوا يعدون الطعن فيهم إلا علامة الزيغ والضلال ، قال أبو زُرْعَةَ:"إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ , وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَنَا حَقٌّ , وَالْقُرْآنَ حَقٌّ , وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا هَذَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ , وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى وَهُمْ زَنَادِقَةٌ" [4]
وقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَيْمُونِيُّ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: مَا لَهُمْ وَلَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، وَقَالَ لِي: يَا أَبَا الْحَسَنِ إِذَا رَأَيْتَ أَحَدًا يَذْكُرُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِسُوءٍ فاتَّهِمْهُ عَلَى الْإِسْلَامِ" [5] "
(1) - تفسير الطبري - (21 / 527)
(2) - صحيح مسلم- المكنز - (6378 )
(3) - صحيح البخارى- المكنز - (3673) -النَّصيف: النصف
(4) - الْكِفَايَةُ فِي عِلْمِ الرِّوَايَةِ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ (104)
(5) - شَرْحُ أُصُولِ الاعْتِقَادِ (1919)