فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 332

ما أستطيع، وبذلك يتمادى في الظلم ويزيد في الفساد والإفساد؛ لأنه يرى أن مصيره واحد ما دامت لا توجد توبة، ولكن تشريع التوبة يجعل الظالم لا يتمادى في ظلمه، وبهذا يحمي الله المجتمع من شروره، ويجعل في نفسه الأمل في قبول الله لتوبته والطمع في أن يغفر له؛ فيتجه إلى العمل الصالح عَلَّهُ يُكفِّر عما ارتكبه من الذنوب والمعاصي؛ وفي هذا حماية للناس ومنع لانتشار الظلم والفساد.

إذن فالقتال له حكمة، والتعذيب له حكمة، والخزي له حكمة، والتوبة لها حكمة، وسبحانه وتعالى حين يعاقب، إنما يعاقب عن حكمة، وحين يقبل التوبة فهو يقبلها عن حكمة." [1] "

"إن تاريخ المشركين مع المسلمين كله نكث للإيمان ، ونقض للعهود. وأقرب ما كان من هذا نقضهم لعهدهم مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في الحديبية. ولقد قبل - صلى اللّه عليه وسلم - من شروطهم - بإلهام من ربه وهداية - ما حسبه بعض أفاضل أصحابه قبولا للدنية! ووفى لهم بعهده أدق ما يكون الوفاء وأسماه."

ولكنهم هم لم يفوا ، وخاسوا بالعهد بعد عامين اثنين ، عند أول فرصة سنحت .. كما أن المشركين هم الذين هموا بإخراج الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من قبل في مكة وبيتوا أمرهم في النهاية على قتله قبل الهجرة.

وكان هذا في بيت اللّه الحرام الذي يأمن فيه القاتل منهم على دمه وماله حتى لكان الواحد يلقى قاتل أخيه أو أبيه في الحرم فلا يمسه بسوء. أما محمد رسول اللّه ، الداعي إلى الهدى والإيمان وعبادة اللّه وحده ، فلم يرعوا معه هذه الخصلة وهموا بإخراجه ثم تآمروا على حياته وبيتوا قتله في بيت اللّه الحرام ، بلا تحرج ولا تذمم مما يتحرجون منه ويتذممون مع أصحاب الثارات! .. كذلك كانوا هم الذين هموا بقتال المسلمين وحربهم في المدينة. فهم الذين أصروا - بقيادة أبي جهل - على ملاقاة المسلمين بعد أن نجت القافلة التي خرجوا لها ثم قاتلوهم بادئين في أحد وفي الخندق. ثم جمعوا لهم في حنين كذلك .. وكلها وقائع حاضرة أو ذكريات قريبة وكلها تنم عن الإصرار الذي يصفه قول اللّه تعالى: «وَلا

(1) - تفسير الشعراوي - ( / 1235)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت