ومن المعلوم أن العبقري والمصلح والبطل ـ بل وكل الناس ـ لا يرضى أن يأتي بالأعمال الجليلة ثم ينسب فضلها إلى غيره، فهذا شيء يتنافى مع طبائع البشر، فلو أن محمدًا صلى الله عليه و سلم ابتكر هذا الدين، وأتى بهذا المنهج القويم، وقام بهذه الأعمال الجليلة التي غيرت مجرى التاريخ وأنقذت البشرية من الجهل والضلال بعبقريته وقوة شخصيته، لما خالف هذه السنة البشرية، ولكان سعيدًا بأن ينسب ذلك الفضل وذلك الشرف إلى نفسه، ولكنه صلى الله عليه و سلم عرف مقامه حق المعرفة، فنسب كل ذلك إلى ربه.
دعوى فرار النبي صلى الله عليه و سلم في غزوة أحد:
دارت الدائرة على المسلمين في معركة أحد، بعد أن كادوا يفوزون بالنصر التام فيها، فتفرقت صفوفهم واستشهد منهم الكثير، ونفذ المقاتلون المشركون إلى أماكن قريبة من رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم ، فرماه أحدهم بحجر فكسر رباعيته وشَجَّهُ في وجهه، وذب الهلع في صفوف المسلمين واضطربت أحوالهم، وتولى بعضهم هاربًا، إلا أن الرسول صلى الله عليه و سلم بقي ثابتًا، وجعل يصيح بالمسلمين. ويقول:"إليّ عباد اللَّه. إليَّ عباد اللَّه. فاجتمع إليه ثلاثون رجلًا، ووقف ثلة من الصحابة يدافعون عن رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم وقتل بين يديه عدد كثير منهم. وقد أشار القرآن الكريم إلى ثبات رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم في هذه المعركة حين اضطربت أحوال المقاتلين المسلمين، قال تعالى: { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ. } ."