وذهب بعض الدارسين المحدثين إلى أن العلة في النهي عن كتابة الحديث هي الخوف من أن يكون الانشغال به والانكباب عليه صارفًا عن القرآن، واستدل على ذلك بأدلة علمية قوية، وانتهى إلى استخلاص أن الكتابة التي أذن فيها النبي صلى الله عليه و سلم ، هي التي لا تتخذ طابع التدوين، أي لا تتخد مرجعا يتداول بين الصحابة، ولذلك لم يأمر صلى الله عليه و سلم أحدًا من الصحابة بكتابة الحديث.
إن تدوين الحديث بدأ منذ العهد الأول، وشمل قسما كبيرًا منه. وفيما قدمناه ما يبطل قول المستشرق روبسون"لم تكن هناك أي مادة مدونة من الحديث".
ثم إن تدوين الحديث وتصنيفه على الأبواب في المصنفات والجوامع لم يتأخر، كما ادعى، إلى القرن الثالث من الهجرة، وإنما بدأ قبل المائتين بدليل ما قرره عدد من العلماء أمثال أبي طالب المكي من القدماء، وفؤاد سزكين من المحدثين. وبالدليل الواقعي الملموس الذي يدل على أن هناك جملة من هذه الكتب مات مؤلفوها قبل منتصف المائة الثانية من الهجرة، مثل جامع معمر بن راشد (ت 154هـ ) ، وجامع سفيان الثوري (ت161هـ) ، وهشام بن حسان (ت 148 هـ) ، وابن جريج ( ت 150هـ) ، وغيرهم كثر، أما تقييد العلم في عهد عمر بن عبد العزيز، فلا يعني أنه لم يكتب من قبل، وإنما هو انتقال إلى مرحلة التدوين الكامل.
وقد وصل العلماء إلى العثور على جامع معمر بن راشد، وطبع ونشر، وهو وحده يكفي لاكتساح مزاعم المستشرقين، وتأكيد أن الحديث النبوي الشريف نقل بالطرق السليمة.
ثالثا: التقليل من جهود العلماء في نقد الحديث: