من هنا نعلم أن قول كاتب المقال:"إن هذا النقد لم يذهب بعيدًا في تصفية الحديث"دعوى ساقطة يكذبها ما تضمه مكتبة علوم الحديث من المجلدات الكثيرة في نقد رجال الحديث وتمييز مراتبهم، ومن المجلدات الواسعة في الأحاديث الموضوعة والضعيفة، ومن الجوامع الصحيحة التي أفنوا أعمارهم في تأليفها، فهذه جملة من ثمرات ذلك النقد الصارم، والجهد الصادق.
وأما نقله عن جولد زيهر ففيه تعميم ومغالطة، إذ خلط فيه بين الأحاديث التي صحت بالطرق السليمة كأحاديث المعجزات النبوية، وأحاديث الأهوال والأحداث التي تقع يوم القيامة، وبين الأحاديث الموضوعة كأحاديث فضائل الأمويين والعباسيين.
والحق أن أنباء الغيب الماضي والمستقبل التي نقلت عن النبي صلى الله عليه و سلم بالأسانيد الصحيحة كثيرة تفوق درجة التواتر في جملتها كالأحاديث الواردة في ظهور المسيح الدجال اليهودي، وفي نزول المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، وكذا أحاديث الملاحم والفتن التي تحدث قبل قيام الساعة، مما لا يسع أحدًا إنكاره إلا أن ينكر عقله والمعايير العلمية.
على أ ن المسلمين لم يتلقوا تلك الأحاديث جزافًا من غير تمييز، بل فحصوها فحصًا دقيقًا، وهاهي ذي الأحاديث الكثيرة في ذم الأمويين ومدحهم تملأ بطون الكتب الخاصة بالحديث الموضوع، وها هي ذي الأحاديث الساقطة في مدح العباسيين والتنبؤ بدولتهم قد دونت كذلك مع الموضوعات.
وأما ما ذكره الكاتب من كون العقل الغربي لا يقبل تلك الأحاديث، فلا قيمة له في مجال علوم الحديث، لأن المعيار الذي وضعه علماء الحديث للتصحيح والتضعيف والقبول والرد، إنما هو النقل بالطرق الصحيحة والسند المتصل والعدالة في الرواة والسلامة في المتن، فإذا توفرت هذه الشروط صح الحديث، سواء تعلق بالغيب أو الشهادة، وسواء كان موافقًا للعادة أو خارقًا لها.