ومما يزيدها قيمة واعتبارًا، أن جل الذين ألفوا في السيرة من التابعين ومن تلاهم كانوا من رجال الحديث الذين شهد لهم العلماء بالثقة والعدالة، منهم أبان بن عثمان بن عفان (ت 110 هـ ) ،وهو محدث ثقة من التابعين، وعروة بن الزبير بن العوام (ت 94 هـ ) وهو محدث ثقة من التابعين، وأحد الفقهاء المشهورين في المدينة، وعامربن شراحيل الشعبي (ت 103 هـ ) ، وهو محدث ثقة له كتاب المغازي، وعاصم بن عمر بن قتادة (ت 119 هـ) ، وهو محدث ثقة، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت 124 هـ) ، وهو من كبار المحدثين في عصره وَثَّقَهُ الجهابذة من علماء الجرح والتعديل، وموسى بن عقبة (ت 140 هـ) وهو محدث ثقة من تلاميذ الزهري، وقد أثنى الإمام مالك على كتابه في المغازي، فقال"إنه أصح المغازي". وقال يحيى بن معين:"كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب"، وقال الإمام الشافعي:"ليس في المغازي أصح من كتاب موسى بن عقبة مع صغره وخلوه من أكثر مما يذكر في كتب غيره، ومحمد بن إسحق ( ت 151 هـ ) من تلاميذ الزهري، إمام في المغازي، لكن مروياته لا ترقى كلها إلى درجة الصحيح، ولكن العلماء حكموا بأنها بلغت درجة الحسن، واشترطوا لذلك أن يصرح بالتحديث، وفي كتب علم الحديث شهادات كثيرة تؤكد صدقه وحسن رواياته في السيرة ."
وهناك اتجاه خاطئ عند بعض المستشرقين، تابعهم فيه بعض المؤرخين من المسلمين يرفع من قيمة مغازي الواقدي، ويقدمها على سيرة ابن إسحق، والحق أن سيرة ابن إسحق أدق وأوثق، ومعلوماتها تتطابق مع معلومات كتب الحديث في كثير من الجوانب.
وأما الواقدي فقد حكم العلماء بتضعيفه في مروياته، وقالوا: لا يعتمد عليه، وبخاصة إذا انفرد بالخبر.
إن كتب المغازي والسير لها قيمتها العلمية التي تستدعي الاعتماد عليها والرجوع إليها، لكنها ليست في درجة واحدة من حيث الضبط والصحة.