بعد أن أشارإلى ما تناقلته مصادر السيرة عن شهرة النبي صلى الله عليه و سلم بلقب"الأمين"الذي لقب به اعترافًا وتأكيدًا لما كان يتحلى به، قبل بعثته من الأخلاق الحميدة، وفي مقدمتها الصدق والأمانة، أراد صاحب هذا البحث أن يستبعد عنه صلى الله عليه و سلم هذه الفضيلة، وهذا الاعتراف، فصرف هذا اللقب المحمود إلى دلالة اسمية عارية من كل فضيلة، فزعم أن لقبه"الأمين"هو اسمه الذي كان سمي به أول الأمر، ودليله على هذه الدعوى هو أن لفظ الأمين يلتقي في الاشتقاق الصرفي مع لفظ"آمنة"اسم أمه صلى الله عليه و سلم ، فلفظ الأمين للمذكر، ولفظ آمنة للمؤنت، وقال: إن مثل هذا وجد في اللغة الحميرية. ففيها لفظ"محمدة"للمؤنث، ومحمد للمذكر.
إن مثل هذا الافتراض البعيد الذي لا يرتكز على أي دليل صحيح، لا يلجأ إليه إلا في حال انعدام المعلومات الصحيحة الثابتة. أما والأدلة القوية الثابتة متوفرة. فلا يجوز تجاهلها والاسترسال مع الظن والتخمين.
إن صاحب هذا المبحث تجاهل ما ثبت بنص القرآن والحديث الصحيح، وأنكر ماصح من حقائق التاريخ وأجمعت عليه كتب السيرة، وسلم به العدو والصديق، والقريب والبعيد.
ففي القرآن الكريم: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه والذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم } .
وفيه كذلك: { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } .