وأما دعوى قبوله صلى الله عليه و سلم ما يقدم إليه من لحوم الذبائح التي تذبح للأصنام، والاستدلال عليها بقوله تعالى: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ } فدعوى بعيدة عن الواقع، والآية التي استدلا بها لا علاقة لها بهذه المسألة.
ويظهر أن الباحثَيْن بنيا على أساس القطع بكون الآية مكية وذلك غير مسلم، لأن السورة لم يقع الإجماع على كونها مكية، وذهب بعض المفسرين إلى ترجيح كونها مدنية. وعلى هذا فسر سعيد بن جبير من التابعين، الآية المذكورة بأنها أُمِرَ بأن يصلي وينحر هديهُ في الحديبية، وإن كانت السورة مكية، فلعل الرسول حين اقترب وقت الحج، وكان يحج كل عام قبل البعثة، وبعدها، تردد في نحر هداياه في الحج بعد بعثته، وهو يود أن يطعم مساكين أهل مكة، ويتحرج من أن يشارك أهل الشرك أعمالهم، فأمره اللَّه أن ينحر الهدي ويطعم المساكين، أي لا يمنعك نحرهم للأصنام أن تنحر أنت لربك...
ودل الحديث الصحيح كذلك على بطلان دعوى الكاتبَيْن، فقد روى البخاري في مناقب الأنصار أن النبي صلى الله عليه و سلم التقى بزيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل البعثة. فقدمت له صلى الله عليه و سلم سُفْرة، فأبى أن يأكل منها. ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم اللَّه عليه.
وزعم الباحثان أن المؤمنين شاركوا في شعائر الحج على الطريقة الجاهلية، قبل أن يفرض الحج الشرعي، واستدلا على زعمهما بقوله تعالى: { إِنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوفَ بِهِمَا} ، وفهما من هذه الآية أنها أجازت للمؤمنين القيام بأداء السعي القديم قبل أن يكتسب أي معنى شرعي إسلامي.