هذا نوع آخر من تلبيس الحق بالباطل، لأن الباحِثَيْن وجدا في أوائل سورة المدثر توجيهات تربوية قصد بها تأديب النبي صلى الله عليه و سلم لتحمل أعباء الرسالة، كما في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا المُدَّثِّر قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، والرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلاَ تَمنُنْ تَسْتَكْثِرْ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ } .
وكما في قوله تعالى في سورة المزمل: { يَا أَيُّهَا المزَّمِّلْ قُمْ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا } .
وقول البَاحِثَيْن إن هذا التأديب الرباني وهذه التوجيهات التربوية الإلهية، إعداد لتلقي الوحي على طريقة الكهان، افتراء واضح. فأين هذا من الأساليب الشيطانية الغامضة التي يمارسها الكهان ! أين توحيد اللَّه تعالى بالذكر، وتطهير النفس والسلوك والأفعال. وأين قيام الليل وإحياؤه بالعبادة وترتيل القرآن من أساليب الكهان ؟ ! إنهما طريقان متباينان متباعدان ليس بينهما أي تشابه.
ثم إن تأديب النبي صلى الله عليه و سلم هو تأديب إلهي، وليس استعدادًا ذاتيًا أو تمرينًا شخصيًا أو رياضة نفسية لتلقي النبوة، وإنما هو تأديب إلهي لتحمل أعباء الرسالة، لأنها أعباء ثقيلة تستدعي التحلي بصفات خلقية كثيرة من أهمها العزم والصبر. وهناك فرق كبير بين التأديب والتربية لحمل الرسالة، وبين الاستعداد الشخصي لتلقي النبوة أو الإلهام، كما هو معروف عند الكهان والشعراء، وهذا الفرق ليس خفيًا على المستشرقين، وإنما يتجاهلون ويتعمدون أن يلبسوا الحق بالباطل، لأنه أخطر طرق محاربة الحق في القديم والحديث.
الإيهام بكون الوحي من الإغماء الجنوني: