هذه دعوى رددها كثير من المستشرقين، والباحثان لم يصرحا بها في حديثهما عن الوحي في الموسوعة الإسلامية، ولكن وصفهما حال النبي صلى الله عليه و سلم في لحظات نزول الوحي عليه، بكونه تنتابه نوبات وانفعالات عجيبة وبأن هذه النوبات كانت تنتابه قبل أن يدعي النبوة، يوهم القارئ بأن ما يحدث له صلى الله عليه و سلم أثناء نزول الوحي هو من الإغماء أو الصرع الجنوني.
وهذا ادعاء باطل، لأن الحالة التي تعتريه صلى الله عليه و سلم في تلك اللحظات مخالفة تمامًا للإغماء.
وهناك أدلة كثيرة تدحض هذا الادعاء.
.1 إن النبي صلى الله عليه و سلم بشهادة الأعداء قبل غيرهم كان يتمتع ببنية جسمانية قوية، وأوصافه التي تناقلها الرواة تدل على البطولة الجسمانية. والمصاب بالصرع لا يكون على هذه القوة.
.2 إن المريض بالصرع يصاب بآلام حادة في كافة أعضاء جسمه، يحس بها عندما تنتهي نوبة الصرع، ويظل حزينًا كاسف البال. وكثيرًا ما يحاول مرضى الصرع الانتحار من قسوة ما يعانون من الآلام. فلو كان ما يعتري النبي صلى الله عليه و سلم عند الوحي صرعًا، لحزن لوقوعه ولسعد بانقطاعه، ولكن الأمر بخلاف ذلك.
.3 إن الثابت علميًا أن المصروع أثناء الصرع يتعطل تفكيره وإدراكه تعطلا تامًا. فلا يدري المريض في نوبته شيئًا عما يدور حوله، ولا ما يجيش في نفسه، كما أنه يغيب عن صوابه. والنبي صلى الله عليه و سلم بخلاف هذا كله كان يتلو على الناس، بعد انتهاء لحظات نزول الوحي، آيات بينات وعظات بليغات، وتشريعًا محكمًا، وأخلاقًا عالية، وكلامًا بلغ الغاية في الفصاحة والبلاغة، فهل يعقل أن يأتي المصروع بشيء من هذا، اللَّهم إن هذا لا يجوز إلا في حكم من لا يميز بين الأبيض والأسود، والليل والنهار.