هذه العبارة صيغت بطريقة مراوغة لتلقي في وهم القارئ أن المعاني والأحكام والحِكَم السامية، والتشريعات والتعاليم الدينية المحكمة في العقيدة والتصور، وفي نظم الحياة الإنسانية، وفي الوجود والكون والإنسان، وفي الخالق وصفاته وحكمته وكماله، كل ذلك مما تضمنه القرآن والحديث والسيرة النبوية، ما هو إلا أفكار فاضت عليه صلى الله عليه و سلم وغمرت نفسه ووجدانه بعد مدة طويلة من التفكير والتأمل، وأن الجهر بتلك الأفكار كان بدافع قوة ذاتية لا تقاوم. هذه التصورات قد تكون مقبولة لتفسير سلوك إنساني عادي، لكنها لا تصلح لتفسير سلوك الأنبياء، فالأنبياء إنما ينهضون برسالة الدعوة والإنذار والتبليغ امتثالًا لأمر اللَّه، وخضوعًا لإرادته التي لا خيار معها، ولو كانت تؤدي إلى التضحية بالنفس، أو تحمل المتاعب الكثيرة.
ونبينا محمد صلى الله عليه و سلم لم يجهر بدعوته بدافع قوة نفسية أو خفية كما يوهم كلام الباحثَيْن، وإنما قام بدعوته جهارًا عندما أنزل عليه قول اللَّه تعالى: { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ المُشْرِكِينَ } ، إلى غير ذلك من الآيات القرآنية التى جاء فيها الأمر بالدعوة والتبليغ والجهر بذلك أمرًا صريحًا.
وهذه الآيات دليل واضح يبطل مزاعم الباحثين هنا، ويثبت أن جهر محمد صلى الله عليه و سلم بالدعوة كان امتثالًا لهذه الأوامر الإلهية التي كانت تصدر إليه من اللَّه تعالى بصيغة الأمر الصارم فيتلقاه عبده ورسوله المطيع بالجدية اللائقة به، فينهض للتنفيذ على الفور. وكفاح الأنبياء في محاربة الجهل والضلال، وجهادهم الطويل في سبيل هداية البشرية وإنقاذها، وما يلاقون لأجل ذلك كله من عناء ومشقة، ومن ألوان الأذى والعدوان، لا يمكن أن يفسر هذا التفسير النفسي المادي الذي يُسقط من حسابه الوحيَ، والأمرَ الإلهيَّ الذي يأتي من مصدر خارج عن ذات النبي ودوافعها النفسية.