ولننظر في الآيات الأولى من سورة المدثر، وهي التي نزلت بعد الآيات السابقة الذكر، قال اللَّه عز وجل: { يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ... } (1) فبعد النداء والأمر بالقيام والإنذار، أمر النبي صلى الله عليه و سلم بأن يفرد اللَّه تعالى بالعبادة والتكبير، وهذا أيضًا من صميم عقيدة التوحيد، ومن يعرف أسرار تركيب الجمل في اللغة العربية ـ لغة القرآن ـ يعلم أن تقديم المفعول وتأخير الفعل من قوله تعالى: { وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } يدل على معنى التخصيص، أي تخصيص اللَّه تعالى بالتكبير لأنه هو اللَّه الواحد المعبود بحق.
هذه هي الأجزاء الأولى من القرآن، ولو قلنا إن القرآن المكي كله يدور حول محور عقيدة التوحيد لما خالفنا الصواب.وكذلك السيرة النبوية وتعاليمه صلى اللَّه عليه وسلم الأولى، كان محورها هو التوحيد. فأول شيء دعا إليه قومه وعشيرته الأقربين، هي كلمة لا إله إلا اللَّه. والمبدأ الإيماني الأول الذي علمه للمؤمنين الذين سبقوا إلى الإيمان، هو توحيد اللَّه تعالى، وتنزيهه عن الشرك. ومما يشهد لرسوخ هذه العقيدة في نفوسهم منذ المرحلة الأولى من عمر الدعوة الإسلامية في مكة، أن بعضهم كان يلاقي التعذيب الشديد على يد كفار قريش ومع ذلك لا تهتز هذه العقيدة من قلبه، ويردد تحت آلام التعذيب كلمة التوحيد: أحد، أحد، أحد. وفي هذا ما يكفي ويغني.
تعليل نفسي لسر قوة النبي صلى الله عليه و سلم:
زعم الباحثان أن قوة محمد صلى الله عليه و سلم تكمن في وعيه بأنه يعيش في عالم فكري أسمى من تفكير المشركين وأنه يدعو إلى أفكار لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثلها لا يأتون بها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.